تفسير الميزان ج۱۲
86(كلام في معنى الانتقام و نسبته إليه تعالى)
الانتقام هو العقوبة لكن لا كل عقوبة بل عقوبة خاصة و هي أن تذيق غيرك من الشر ما يعادل ما أذاقك منه أو تزيد عليه قال تعالى: {فَمَنِ اِعْتَدىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدىَ عَلَيْكُمْ وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ}.
و هو أصل حيوي معمول به عند الإنسان و ربما يشاهد من بعض الحيوان أيضا أعمال يشبه أن تكون منه، و أيا ما كان يختلف الغرض الذي يبعث الإنسان إليه فالداعي إليه في الانتقام الفردي هو التشفي غالبا فإذا سلب الواحد من الإنسان غيره شيئا من الخير أو أذاقه شيئا من الشر وجد الذي فعل به ذلك في نفسه من الأسى و الأسف ما لا تسكن فورته و لا تخمد ناره إلا بأن يذيقه من الشر ما يعادل ما ذاق منه أو يزيد عليه فالعامل الذي يدعو إليه هو الإحساس الباطني و أما العقل فربما أجازه و أنفذه و ربما استنكف.
و الانتقام الاجتماعي و نعني به القصاصات و أنواع المؤاخذات التي نعثر عليها في السنن و القوانين الدائرة في المجتمعات أعم من الراقية و الهمجية الغالب فيه أن يكون الغرض الداعي إليه غاية فكرية و مطلوبا عقليا و هو حفظ النظام عن الاختلال و سد طريق الهرج و المرج فلو لا أصل الانتقام و مؤاخذة المجرم الجاني بما أجرم و جنى اختل الأمن العام و ارتحل السلام من بين الناس.
و لذا كان هذا النوع من الانتقام حقا من حقوق المجتمع و إن كان ربما استصحب حقا فرديا كمن ظلم غيره بما فيه مؤاخذة قانونية فربما يؤاخذ الظالم استيفاء لحق المجتمع و إن أبطل المظلوم حقه بالعفو.
فقد تبين أن من الانتقام ما يبتني على الإحساس و هو الانتقام الفردي الذي غايته التشفي، و منه ما يبتني على العقل و هو الانتقام الاجتماعي الذي غايته حفظ النظام و هو من حقوق المجتمع و إن شئت قلت من حقوق السنة أو القانون الجاري في المجتمع فإن استقامة الأحكام المعدلة لحياة الناس و سلامتها في نفسها تقتضي مؤاخذة المجرم المتخلف عنها و إذاقته جزاء سيئته المر، فهو من حقوق السنة و القانون كما أنه من حقوق المجتمع.

