تفسير الميزان ج۱۲
84قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}: يونس: ٤٧.
و قوله: {أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} الإقسام تعليق الحكم في الكلام بأمر شريف من جهة شرافته ليدل به على صدقه إذ لو كذب المتكلم و قد أقسم في كلامه لأذهب بذلك شرف المقسم به كقولنا: و الله إن كذا لكذا و لعمري إن الأمر على كذا، و يعد القسم أقوى أسباب التأكيد. و لا يبعد أن يكون الإقسام في الآية كناية عن إيراد الكلام في صورة جازمة غير قابلة للترديد.
و الكلام على تقدير القول و المعنى يقال لهم توبيخا و تبكيتا: أ لم تكونوا أقسمتم من قبل نزول العذاب ما لكم من زوال و أنكم بما عندكم من القوة و السطوة و وسائل الدفاع أمة خالدة مسيطرة على الحوادث فما لكم تستمهلون إلى أجل قريب.
قوله تعالى: {وَ سَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} إلى آخر الآية معطوف على محل قوله: {أَقْسَمْتُمْ} في الآية السابقة، و المعنى: أ و لم تكونوا سكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم من الأمم السابقة، و ظهر لكم أن هذه الدعوة حقة و يتعقبها لو ردت عذاب مستأصل، من جهتين: جهة المشاهدة حيث تبين لكم كيف فعلنا بأولئك الظالمين الذين سكنتم في مساكنهم؟ و جهة البيان حيث ضربنا لكم الأمثال و أنذرناكم عذابا مستأصلا يتعقبه إنكار الحق و رد الدعوة النبوية و يقطع دابر الظالمين.
قوله تعالى: {وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَ عِنْدَ اَللَّهِ مَكْرُهُمْ وَ إِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبَالُ} حال من الضمير في {فَعَلْنَا} في الآية السابقة أو من الضمير في {بِهِمْ} فيها أو من الضميرين جميعا على ما قيل، و ضمائر الجمع راجعة إلى {اَلَّذِينَ ظَلَمُوا}.
و المراد بكون مكرهم عند الله إحاطته تعالى به بعلمه و قدرته، و من المعلوم أن المكر إنما يكون مكرا إذا لم يحط به الممكور به و جهله، و أما إذا كان الممكور به عالما بما هيأه الماكر من المكر و قادرا على دفعه لغا المكر أو عاد مكرا على نفس الماكر كما قال تعالى: {وَ مَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَ مَا يَشْعُرُونَ}: الأنعام: ١٢٣.
و قوله: {وَ إِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبَالُ} إن وصلية على ما قيل و اللام في {لِتَزُولَ} متعلق بمقدر يدل عليه لفظ المكر كقولنا يقتضي أو يوجب و ما أشبه ذلك، و التقدير: الله محيط بمكرهم عالم به قادر على دفعه إن كان مكرهم

