تفسير الميزان ج۱۲
82قوله تعالى: {وَ لاَ تَحْسَبَنَّ اَللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ اَلظَّالِمُونَ} إلى آخر الآيتين يقال: شخص بصره أي سكن بحيث لا يطرف جفنة، و يقال: بعير مهطع إذا صوب عنقه أي رفعه و هطع و أهطع بمعنى، و يقال: أقنع رأسه إذا رفعه، و قوله: لا يرتد إليهم طرفهم أي لا يقدرون على أن يطرفوا من هول ما يشاهدونه، و قوله: و أفئدتهم هواء أي قلوبهم خالية عن التعقل و التدبير لشدة الموقف أو أنها زائلة.
و المعنى: و لا تحسبن الله و لا تظننه غافلا عما يعمل هؤلاء الظالمون بما تشاهد من تمتعهم و إترافهم في العيش و إفسادهم في الأرض إنما يمهلهم الله و يؤخر عقابهم إلى يوم يسكن فيه أبصارهم فلا تطرف و الحال أنهم مادون لأعناقهم رافعون لرءوسهم لا يقدرون على رد طرفهم و قلوبهم مدهوشة خالية عن كل تحيل و تدبير من شدة هول يوم القيامة و في الآية إنذار للظالمين و تعزية لغيرهم.
قوله تعالى: {وَ أَنْذِرِ اَلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ اَلْعَذَابُ} إلى آخر الآية. في الآية إنذار بعد إنذار و بين الإنذارين فرق من جهتين:
إحداهما: أن الإنذار في الآيتين السابقتين إنذار بما أعد الله من أهوال يوم القيامة و أليم العذاب فيه، و أما الذي في هذه الآية و ما يتلوها فهو إنذار بعذاب الاستئصال في الدنيا و من الدليل عليه قوله: {فَيَقُولُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ} إلخ.
و بذلك يظهر أن لا وجه لما ذكره بعضهم أن المراد بهذا اليوم الذي يأتيهم فيه العذاب هو يوم القيامة، و كذا ما ذكره آخرون أن المراد به يوم الموت.
و الثانية: أن الإنذار الأول إنذار بعذاب قطعي لا صارف له عن أمة ظالمة و لا فرد ظالم من أمة و أما الإنذار الثاني فهو إنذار بعذاب غير مصروف عن أمة ظالمة و أما الفرد فربما صرف عنه، و لذلك ترى أنه تعالى يقول أولا: {وَ أَنْذِرِ اَلنَّاسَ} ثم يقول: {فَيَقُولُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا} إلخ و لم يقل: فيقولون أي الناس لأن عذاب الاستئصال لا يصيب المؤمنين قال تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ اَلْمُؤْمِنِينَ}: يونس: ١٠٣ و إنما يصيب الأمة الظالمة بحلول أجلهم و هم طائفة من ظالمي الأمة لا جميع أفرادها.
و بالجملة فقوله: {وَ أَنْذِرِ اَلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ اَلْعَذَابُ} إنذار للناس بعذاب الاستئصال الذي يقطع دابر الظالمين منهم، و قد تقدم في تفسير سورة يونس و غيره أن ذلك

