تفسير الميزان ج۱۲
78في استناد إقامته الصلاة إلى الله سبحانه نظير الكلام في استناد إجنابه أن يعبد الأصنام فإن لإقامة الصلاة نسبة إليه تعالى بالإذن و المشية كما أن لها نسبة إلى العبد بالتصدي و العمل و قد مر الكلام فيه.
و هذه الفقرة ثاني دعاء يشترك فيه هو (عليه السلام) و ذريته و يعقب في الحقيقة قوله أولا: {وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنَامَ} كما يلحق به دعاؤه الثالث المشترك فيه: {رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَ لِوَالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ}.
و قد أفرد نفسه في جميع الفقرات الثلاث عن غيره إذ قال: {وَ اُجْنُبْنِي} و {اِجْعَلْنِي مُقِيمَ اَلصَّلاَةِ} {اِغْفِرْ لِي} لأن مطلوبه لحوق ذريته به كما قال في موضع آخر: {وَ اِجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ}: الشعراء: ٨٤ و في موضع آخر كما حكاه الله بقوله: {وَ إِذِ اِبْتَلىَ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي}: البقرة: ١٢٤.
و أما قوله في الفقرة الأولى {وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ} و هاهنا {اِجْعَلْنِي مُقِيمَ اَلصَّلاَةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي} فقد تقدم أن المراد ببنيه بعضهم لا جميعهم فتتطابق الفقرتان.
و من تطابق الفقرتين أنه أكد دعاءه في هذه الفقرة بقوله: {رَبَّنَا وَ تَقَبَّلْ دُعَاءِ} فإن سؤال تقبل الدعاء إلحاح و إصرار و تأكيد كما أن التعليل في الفقرة الأولى، بقوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ اَلنَّاسِ} تأكيد في الحقيقة لما فيها من الدعاء، بقوله: {وَ اُجْنُبْنِي} إلخ.
قوله تعالى: {رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَ لِوَالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْحِسَابُ} ختم (عليه السلام) دعاءه و هو آخر ما ذكر من دعائه في القرآن الكريم كما تقدم بطلب المغفرة للمؤمنين يوم القيامة و يشبه آخر ما دعا به نوح (عليه السلام) مما ذكر في القرآن: {رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ لِوَالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنَاتِ}: نوح: ٢٨.
و في الآية دليل على أنه (عليه السلام) لم يكن ولد آزر المشرك لصلبه فإنه (عليه السلام) كما ترى يستغفر لوالديه و هو على الكبر و في آخر عهده «و قد تبرأ من آزر في أوائل عهده بعد ما استغفر له عن موعدة وعده إياه قال تعالى: {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي}: مريم: ٤٧، و قال: {وَ اِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ اَلضَّالِّينَ}: الشعراء: ٨٦،

