تفسير الميزان ج۱۲
76من لغو الكلام جهلا و لا يرده ببيان ما هو الحق في ذلك، و قد اعتذر سبحانه عن استغفاره لأبيه المشرك و رفع عن ساحته كل غميضة فيما قال: {وَ مَا كَانَ اِسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}: التوبة: ١١٤.
و أما السادس فتقييد المعصية بما دون الشرك تقييد من غير مقيد، اللهم إلا أن يقرر بما يرجع إلى ما قدمناه.
فهذه جملة ما ذكره المفسرون في ذيل الآيتين أوردناها ملخصه و قد وقعوا فيما وقعوا لإهمالهم تحقيق القول في معنى حفظه تعالى عن الشرك، و معنى تفرع قوله: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} إلخ على ما تقدمه.
قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ} إلى آخر الآية {مِنْ ذُرِّيَّتِي} في تأويل مفعول {أَسْكَنْتُ} أو ساد مسده و {مِنْ} فيه للتبعيض» و مراده (عليه السلام) ببعض ذريته ابنه إسماعيل و من سيولد له من الأولاد دون إسماعيل وحده بدليل قوله: بعد {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا اَلصَّلاَةَ}.
و المراد بغير ذي زرع غير المزروع و هو آكد و أبلغ لأنه يدل كما قيل على عدم صلاحيته لأن يزرع لكونه أرضا حجرية رملية خالية عن المواد الصالحة للزرع و هذا كقوله: {قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}.
و نسبة البيت إلى الله سبحانه لأنه مبني لغرض لا يصلح إلا له تعالى و هو عبادته، و كونه محرما هو ما جعل الله له من الحرمة تشريعا و الظرف أعني قوله {عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ} متعلق بقوله {أَسْكَنْتُ}.
و هذه الجملة من دعائه (عليه السلام) أعني قوله: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ} إلى قوله {اَلْمُحَرَّمِ} من الشاهد على ما قدمناه من أنه (عليه السلام) إنما دعا بهذا الدعاء في أواخر عمره بعد ما بنى الكعبة و بنى الناس بلدة مكة و عمروها كما أن من الشاهد عليه أيضا قوله: {اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى اَلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ}.
و بذلك يندفع ما ربما يستشكل فيقال: كيف سماه بيتا و قال أسكنت من ذريتي عنده و لم يبنه بعد؟ كأن السائل يقدر أنه إنما دعا به يوم أتى بإسماعيل و أمه إلى أرض مكة و كانت أرضا قفراء لا أنيس بها و لا نبت.

