تفسير الميزان ج۱۲
75و قيل: المراد بالمغفرة و الرحمة الستر على الشرك في الدنيا و الرحمة بعدم معاجلة العقاب فالمعنى و من عصاني بالإقامة على الشرك فاستر عليه ذلك و ارحمه بتأخير العقاب عنه، و قيل: إن الكلام على ظاهره و كان ذلك منه (عليه السلام) قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك، و لا نقص بجهل ذلك لأن مغفرة الشرك جائزة عقلا و إنما منع منها الدليل السمعي و ليس من الواجب أن يعلم بجميع الأدلة السمعية في يوم واحد، و قيل: المراد بالمعصية ما دون الشرك.
و هذه أجوبة فاسدة أما الأول فلأن دعوى كون الشرك جائز المغفرة في الشرائع السابقة دعوى لا دليل عليها بل الدليل على خلافها فقد خاطب الله آدم (عليه السلام) بمثل قوله: - و هو أول الشرائع السابقة - {وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: البقرة: ٣٩، و حكى عن المسيح (عليه السلام) و شريعته آخر الشرائع السابقة قوله: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ اَلْجَنَّةَ وَ مَأْوَاهُ اَلنَّارُ وَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}: المائدة: ٧٢، و التدبر في آيات القيامة و الجنة و النار و في آيات الشفاعة و في دعوات الأنبياء المحكية في القرآن لا يدع شكا في أن الشرك لا نجاة لصاحبه بشفاعة أو غيره إلا بالتوبة قبل الموت.
و أما الثاني فلأن تقييد المغفرة و الرحمة بالتوبة تقييد من غير مقيد على أن تقييد المعصية بالتوبة يفسد المعادلة في قوله: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصَانِي} إلخ، فإن العاصي التائب يعود ممن تبعه و يلحق به (عليه السلام) فلا يبقى للمعادلة أزيد من طرف واحد.
و أما الثالث و الرابع فلما فيهما من ارتكاب خلاف الظاهر فإن ظاهر طلب المغفرة للعاصي أن يغفر الله له حينما هو عاص لا أن يغفر الله له بعد خروجه بالتوبة عن المعصية إلى الطاعة و كذا ظاهر مغفرة العصيان رفع تبعات معصيته مطلقا أو في الآخرة، و أما رفع التبعة الدنيوية فقط فأمر بعيد عن الفهم.
و أما الخامس فهو أبعد الوجوه، و كيف يجوز الاجتراء على مثل الخليل (عليه السلام) و هو في أواخر عمره - كما تقدم - أن يجهل ما هو من واضحات المعارف الدينية ثم يجري على جهله فيشفع عند ربه للمشركين و يسأل لهم المغفرة من غير أن يستأذن الله في ذلك و لو استأذنه لأنبأه أن ذلك مما لا يكون ثم يورد الله سبحانه في كلامه ما ارتكبه

