تفسير الميزان ج۱۲
70الله سبحانه فهو المالك له بذاته و العبد يملكه بأمر منه و إذن كما أن العبد إنما يهتدي عن هداية من الله، و ليس هناك إلا هدى واحد لكنه مملوك لله سبحانه لذاته و العبد إنما يملكه بتمليك منه سبحانه، و أبسط كلمة في هذا المعنى ما وقع في أخبار آل العصمة أن الله يوفق عبده لفعل الخير و ترك الشر هذا.
فتلخص أن المراد بقوله (عليه السلام) {وَ اُجْنُبْنِي} سؤال ما لله سبحانه من الصنع في ترك العبد عبادة الأصنام و بعبارة أخرى هو يسأل ربه أن يحفظه و بنيه من عبادة الأصنام و يهديهم إلى الحق إن هم عرضوا أنفسهم لذلك و أن يفيض عليهم إن استفاضوا لا أن يحفظهم منها سواء عرضوا لذلك أنفسهم أو لم يعرضوا و أن يفيض عليهم سواء استفاضوا أو امتنعوا فهذا معنى دعائه (عليه السلام).
و منه يعلم أن نتيجة الدعاء لبعض المدعوين لهم و إن كان بلفظ يستوعب الجميع، و هذا البعض هم المستعدون لذلك دون المعاندين و المستكبرين منهم و سنزيده بيانا.
ثم هو (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء لنفسه و بنيه: {وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنَامَ} و بنوه جميع من جاء من نسله بعده و هم بنو إسماعيل و بنو إسحاق فإن الابن كما يطلق على الولد من غير واسطة كذلك يطلق على غيره، و يصدق ذلك القرآن الكريم قال تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}: الحج: ٧٨ و قد تكرر إطلاق بني إسرائيل على اليهود في نيف و أربعين موضعا من كلامه تعالى.
فهو (عليه السلام) يسأل البعد عن عبادة الأصنام لنفسه و لجميع من بعده من بنيه بالمعنى الذي تقدم، اللهم إلا أن يقال: إن قرائن الحال و المقال تدل على اختصاص الدعاة بآل إسماعيل القاطنين بالحجاز فلا يعم بني إسحاق.
ثم عقب (عليه السلام) دعاءه: {وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنَامَ} بقوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ اَلنَّاسِ} و هو في مقام التعليل لدعائه و قد أعاد النداء {رَبِّ} إثارة للرحمة الإلهية، أي إني إنما أسألك أن تبعدني و بني عن عبادتهن لأنهن أضللن كثيرا من الناس و نسبة الإضلال إلى الأصنام لمكان الربط الذي بين الضلال و بينهن و إن لم يكن ارتباطا شعوريا و ليس من اللازم في نسبة أي فعل أو أثر إلى شيء أن يقوم به قياما شعوريا و هو ظاهر.

