تفسير الميزان ج۱۲
59ثلاث آيات الحجة على اختصاص الربوبية بنفسه تعالى و تقدس من طريق اختصاص التدبير العام به من نظم الخلقة و إنزال الماء و إخراج الرزق و تسخير البحار الفلك و الأنهار و الشمس و القمر و الليل و النهار.
و أشار في آخر الآيات إلى أنها و ما لا تحصى من غيرها نعمة منه تعالى للإنسان لأن البيان في هذه السورة - كما تقدمت الإشارة إليه يجري في ضوء الاسمين: العزيز الحميد.
فقوله: {اَللَّهُ اَلَّذِي خَلَقَ} إلخ، في معنى قولنا: فهو الرب وحده دون الذين جعلتموهم أندادا له.
و قوله: {وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ} إلخ، المراد بالسماء جهة العلو و هو معناها اللغوي، و الماء النازل منها هو المطر النازل منها فإليه ينتهي الماء في الأرض الذي تعيش به ذوات الحياة من النبات و الحيوان.
قوله تعالى: {وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي اَلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلْأَنْهَارَ} تسخير الفلك للناس هو جعلها بحيث تنفعهم في مقاصدهم و هي العبور بأنفسهم و أحمالهم و غير ذلك من غير أن ترسب في الماء أو تمتنع عن الحركة.
و أما قول بعضهم: تسخيرها لهم هو إقدارهم على صنعتها و استعمالها بإلهامهم طريق ذلك بعيد، فإن الظاهر من تسخير شيء للإنسان هو التصرف فيه بجعله موافقا لما يقصده من منافع نفسه دون التصرف في الإنسان نفسه بإلهام و نحوه.
و كان من طبع الكلام أن يقال: و سخر لكم البحر لتجري فيه الفلك بأمره و سخر لكم الأنهار غير أنه عكس، و قيل: و سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره لكون الفلك من أوضح النعم البحرية و إن لم تنحصر فيها نعمه و لعل ذلك هو السبب في العكس، لأن المقام مقام عد النعمة و النعمة في الفلك أوضح و إن كانت في البحر أعظم.
و إسناد جريها في البحر إلى أمره تعالى مع كونه مستندا إلى الأسباب الطبيعية العاملة كالريح و البخار و سائر الأسباب، لكونه تعالى هو السبب المحيط الذي إليه ينتهي كل سبب.

