تفسير الميزان ج۱۲
55الكفر بحرمانهم من صراط الهداية فلا يهتدون إلى عيشة سعيدة في الدنيا و لا إلى نعمة باقية و رضوان من الله في الآخرة فلا يوجد عندهم إن كشف عن قلوبهم إلا الشك و التردد و القلق و الاضطراب و الأسى و الأسف و الحسرة.
و قوله: {وَ يَفْعَلُ اَللَّهُ مَا يَشَاءُ} أي يجري تثبيت هؤلاء و إضلال أولئك على ما تقتضيه مشيته لا مانع له و لا دافع فلا حائل بين مشيته و فعله.
و يظهر من ذلك أن الله تعالى قد شاء تثبيت هؤلاء و إضلال أولئك و هو فاعلهما لا محالة فمن القضاء المحتوم سعادة المؤمن و شقاء الكافر و قد وردت به الرواية.
و وقوع لفظ الجلالة في قوله: {وَ يُضِلُّ اَللَّهُ} و قوله: {وَ يَفْعَلُ اَللَّهُ} من وقوع الظاهر موقع المضمر و يدل على فخامة الأمر و مهابة الموقف كما قيل.
قوله تعالى: {أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ اَلْبَوَارِ} قال في المجمع: الإحلال وضع الشيء في محل إما بمجاورة إن كان من قبيل الأجسام أو بمداخلة إن كان من قبيل الأعراض، و البوار الهلاك يقال: بار الشيء يبور بورا إذا هلك و رجل بور أي هالك و قوم بور أيضا. انتهى.
و قال الراغب: البوار فرط الكساد و لما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما قيل: كسد حتى فسد، عبر بالبوار عن الهلاك يقال: بار الشيء يبور بورا و بؤرا قال عز و جل: {تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} انتهى.
و الآية تذكر حال أئمة الكفر و رؤساء الضلال في ظلمهم و كفرانهم نعمة الله سبحانه التي أحاطت بهم من كل جهة بدل أن يشكروها و يؤمنوا بربهم، و قد ذكر قبل كيفية خلقه تعالى السماوات و الأرض على غنى منه و هي نعمة، ثم ذكر كلمة الحق التي يدعو إليها و ما لها من الآثار الثابتة الطيبة و هي نعمة.
و الآية مطلقة لا دليل على تقييدها بكفار مكة أو كفار قريش و إن كان الخطاب فيها للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و كان في ذيلها مثل قوله: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى اَلنَّارِ} لظهور أن ذلك لا يوجب تقييدا في الآية مع إطلاق مضمونها و شمولها للطواغيت من الأمم و ما صنعوا بأقوامهم.
فقوله: {أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ كُفْراً} يذكر حال أئمة الكفر و رؤساء

