تفسير الميزان ج۱۲
54عليه بقطع الرحمة منه و سلب التوفيق عنه و هذا إضلال مسبوق بضلالة من نفسه بسوء اختياره و إزاغة له عن زيغ منه.
و من هنا وجه اختلاف السياق في الآيتين أما قوله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ} فقد فرض فيه زيغ منهم ثم أزاغه منه تعالى و أما قوله: {يُثَبِّتُ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثَّابِتِ} فقد فرض فيه إيمان ثابت على التثبيت و هو في نفسه يستلزم هداية منه و اهتداء منهم ثم أضيف إلى ذلك القول الثابت و هو ثباتهم و استقامتهم بحسن اختيارهم على ما آمنوا به و هو فعلهم فيعقبه الله بتثبيتهم بسبب ذاك القول الثابت و حفظهم من الزيغ و الزلل يدفع عنهم بذلك مخاطر الحياة في الدنيا و الآخرة و هذا هداية منه تعالى غير مسبوقة باهتداء من عند أنفسهم يرتبط بها فافهم ذلك.
و كيف كان فهذا التثبيت بالنظر إلى التمثيل بمنزلة إحكام الشجرة الطيبة من جهة ثبوت أصلها في الأرض، و إذا ثبت أصل الشجرة نمت و تفرعت بالفروع و أتت بالأثمار في كل حين و الدنيا و الآخرة تحاذيان: {كُلَّ حِينٍ} فإن الدنيا و الآخرة تشملان جميع الأحيان فهذا ما يعطيه السياق من معنى الآية.
و قيل: إن المعنى يثبت الله الذين آمنوا و يقرهم في كرامته و ثوابه بالقول الثابت الذي وجد منهم و هو كلمة الإيمان لأنه ثابت بالحجج و الأدلة فالمراد بتثبيتهم تقريبهم منه و إسكانهم الجنة و بثبوت قولهم تأيده بالحجة و البرهان، و فيه أنه تقييد من غير مقيد.
و قيل: المعنى أنه يثبتهم بالتمكين في الأرض و النصرة و الفتح و الغلبة في الدنيا و إسكان الجنة في الآخرة. و هو بعيد من السياق.
و قوله: {وَ يُضِلُّ اَللَّهُ اَلظَّالِمِينَ} ظاهر المقابلة بين الظالمين و الذين آمنوا في الجملة السابقة أن المراد بهم أهل الكفر بالله و بآياته على أنه تعالى فسر الظالمين بقول مطلق في بعض كلامه بما يقرب منه إذ قال: {أَنْ لَعْنَةُ اَللَّهِ عَلَى اَلظَّالِمِينَ اَلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ وَ يَبْغُونَهَا عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ}: الأعراف: ٤٥.
و الجملة كالنتيجة المستخرجة من المثل الثاني المذكور: {وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ اَلْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} و المعنى أن الله يضل أهل

