تفسير الميزان ج۱۲
53مثلت به حرفا بحرف فإنما هي كلمة الشرك مثلت بشجرة خبيثة مفروضة اقتلعت من فوق الأرض ليس لها أصل ثابت و ما لها من قرار، و إذ كانت خبيثة فلا أثر لها إلا الضر و الشر.
قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثَّابِتِ} إلى آخر الآية الظاهر أن {بِالْقَوْلِ} متعلق بقوله: {يُثَبِّتُ} لا بقوله: {آمَنُوا}، و الباء للآلة أو السببية لا للتعدية، و أن قوله: {فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ فِي اَلْآخِرَةِ} متعلق أيضا بقوله: {يُثَبِّتُ} لا بقوله: {اَلثَّابِتِ}.
فيعود المعنى إلى أن الذين آمنوا إذا ثبتوا على إيمانهم و استقاموا ثبتهم الله عليه في الدنيا و الآخرة، و لو لا تثبيته تعالى لهم لم ينفعهم الثبات من أنفسهم شيئا و لم يستفيدوا شيئا من فوائده فإليه تعالى يرجع الأمر كله، فقوله تعالى: {يُثَبِّتُ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثَّابِتِ}، في باب الهداية يوازن قوله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ}: الصف - ٥ في باب الإضلال.
غير أن بين البابين فرقا و هو أن الهدى يبتدئ من الله سبحانه و يترتب عليه اهتداء العبد و الضلال يبتدئ من العبد بسوء اختياره فيجازيه الله بالضلال على الضلال، كما قال: {وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفَاسِقِينَ}: البقرة: ٢٦ و قد تكاثرت الآيات القرآنية أن الهداية من الله سبحانه ليس لغيره فيها صنع.
و توضيح المقام أن الله سبحانه خلق الإنسان على فطرة سليمة ركز فيها معرفة ربوبيته و ألهمها فجورها و تقواها، و هذه هداية فطرية أولية ثم أيدها بالدعوة الدينية التي قام بها أنبياؤه و رسله.
ثم إن الإنسان لو جرى على سلامة فطرته و اشتاق إلى المعرفة و العمل الصالح هداه الله فاهتدى العبد للإيمان عن هدايته تعالى، و أما جريه على سلامة الفطرة فلو سمي اهتداء فإنما هو اهتداء متفرع على السلامة الفطرية لو سميت هداية.
و لو انحرف الإنسان عن صراط الفطرة بسوء اختياره و جهل مقام ربه و أخلد إلى الأرض و اتبع الهوى و عاند الحق فهو ضلال منه غير مسبوق بإضلال من الله و حاشاه سبحانه لكنه يستعقب إضلاله عن الطريق مجازاة و تثبيته على ما هو

