تفسير الميزان ج۱۲
46و أما ذريته و قبيله الذين يذكرهم القرآن بقوله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا اَلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}: الأعراف: ٢٧ و قوله: {أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ}: الكهف: ٥٠ فولاية الواحد منهم إما لبعض الناس دون بعض أو في بعض الأعمال دون بعض و أما ولاية على نحو العونية فهو العون، و الأصل الذي ينتهي إليه أمر الإضلال و الإغواء هو إبليس.
فهذا القائل: {إِنَّ اَللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْحَقِّ} إلخ هو إبليس يريد بكلامه رد اللوم على فعل المعاصي إليهم و التبري من شركهم فقوله: {إِنَّ اَللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} أي وعدكم الله وعدا حققه الوقوع و صدقته المشاهدة من البعث و الجمع و الحساب و فصل القضاء و الجنة و النار، و وعدتكم أنا أن لا بعث و لا حساب و لا جنة و لا نار و لم أف بما وعدت حيث ظهر خلاف ما وعدت. كذا ذكره المفسرون.
و على هذا فالموعود جميع ما يرجع إلى المعاد إثباتا و نفيا أثبته الله سبحانه و نفاه إبليس، و إخلاف الوعد كناية عن ظهور الكذب و عدم الوقوع من إطلاق الملزوم و إرادة اللازم.
و من الممكن - بل هو الوجه - أن يشمل الوعد ما يترتب على الإيمان و الشرك في الدنيا و الآخرة جميعا لأنهما متطابقتان فقد وعد الله أهل الإيمان حياة طيبة و عيشة سعيدة، و أهل الشرك المعرضين عن ذكره معيشة ضنكا و تحرجا في صدورهم و عذابا في قلوبهم في الدنيا، و وعد الجميع بعثا و حسابا و جنة و نارا في الآخرة.
و وعد إبليس أولياءه بالأهواء اللذيذة و الآمال الطويلة و أنساهم الموت و صرفهم عن البعث و الحساب و خوفهم الفقر و الذلة و ملامة الناس، و كان مفتاحه في جميع ذلك إغفالهم عن مقام ربهم و تزيين ما بين أيديهم من الأسباب مستقلة بالتأثير خالقة لآثارها و تصوير نفوسهم لهم في صورة الاستقلال مهيمنة على سائر الأسباب تدبرها كيف شاءت فتغريهم على الاعتماد بأنفسهم دون الله و تسخير الأسباب في سبيل الآمال و الأماني.
و بالجملة وعدهم الله فيما يرجع إلى الدنيا و الآخرة بما وفى لهم فيه، و دعاهم إبليس من طريق الإغفال و التزيين إلى الأوهام و الأماني و هي بين ما لا يناله الإنسان قطعا و ما إذا ناله وجده غير ما كان يظنه، فيتركه إلى ما يظنه كما يريد هذا في الدنيا

