تفسير الميزان ج۱۲
35قوله تعالى: {فَأَوْحىَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ اَلظَّالِمِينَ وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ اَلْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} إلى آخر الآية، ضمير الجميع الأول و الثاني للرسل و الثالث للذين كفروا بدلالة السياق، و التعبير عنهم بالظالمين للإشارة إلى سببية ظلمهم للإهلاك فإن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية كما أن قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَ خَافَ وَعِيدِ} مشعر بعلية الخوف للإسكان.
و قوله: {مَقَامِي} مصدر ميمي أريد به قيامه تعالى على الأمر كله أو اسم مكان أريد به مرتبة قيمومته تعالى للأمر كله، و المراد من وعيده تعالى ما أوعد به المخالفين عن أمره من العذاب.
فالمراد بالخوف من مقامه تعالى تقواه بما أنه الله القائم بأمر عباده و المراد بالخوف من وعيده تقواه بما أنه الله الذي حذر عباده من مخالفة أمره بلسان أنبيائه و رسله فيعود على أي حال إلى التقوى و ينطبق على قول موسى لقومه: {اِسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اِصْبِرُوا إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ اَلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}: الأعراف: ١٢٨ كما أشار إليه في الكشاف.
و المعنى فأوحى رب الرسل إليهم و قد أخذت صفة الربوبية الخاصة بهم لمكان توكلهم الجالب للرحمة و العناية و أقسم لنهلكن هؤلاء المهددين لكم بظلمهم و لنسكننكم هذه الأرض التي هددوكم بالإخراج منها و نورثكم إياها لصفة مخافتكم مني و من وعيدي و كذلك نفعل فنورث الأرض عبادنا المتقين.
قوله تعالى: {وَ اِسْتَفْتَحُوا وَ خَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} الاستفتاح طلب الفتح و النصر. و الخيبة انقطاع الرجاء و الخسران و الهلاك، و العنيد هو اللجوج و منه المعاند.
و الضمير في {وَ اِسْتَفْتَحُوا} للرسل أي طلبوا النصر من الله لما انقطعت بهم الأسباب من كل جانب و بلغ بهم ظلم الظالمين و تكذيب المعاندين كقول نوح فيما حكاه الله: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}: القمر: ١٠ و يمكن رجوع الضمير إلى الرسل و الكفار جميعا فإن الكفار أيضا كانوا يصرون على أن يأتيهم الرسل بما يقضي بينهم كقولهم: {مَتىَ هَذَا اَلْفَتْحُ}: الم السجدة: ٢٨ {مَتى هَذَا اَلْوَعْدُ}: يس: ٤٨ و على هذا التقدير يكون المعنى: و استفتح الرسل و الكفار جميعا، و كانت الخيبة للجبارين و هو

