تفسير الميزان ج۱۲
32و محصل الجواب أن كوننا بشرا مثلكم مسلم لكنه يوجب خلاف ما استوجبتموه أما قولكم إن كونكم بشرا مثلنا يوجب أن لا تختصوا بخصيصة لا نجدها من أنفسنا و هي الوحي و الرسالة فجوابه: أن المماثلة في البشرية لا توجب المماثلة في جميع الكمالات الصورية و المعنوية الإنسانية كما أن اعتدال الخلقة و جمال الهيئة و كذا رزانة العقل و إصابة الرأي و الفهم و الذكاء كمالات صورية و معنوية توجد في بعض أفراد الإنسان دون بعض، فمن الجائز أن ينعم الله بالوحي و الرسالة على بعض عباده دون بعض فإن الله يمن على من يشاء منهم.
و أما قولكم: {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} فإنه مبني على كون النبي ذا شخصية ملكوتية و قدرة غيبية فعالة لما تشاء، و ليس كذلك فما النبي إلا بشر مثلكم يوحى إليه بالرسالة و ليس له من الأمر شيء، و ما كان له أن يأتي بآية من عنده إلا أن يشاء الله ذلك و يأذن فيه.
فقوله: {إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} تسليم من الرسل لقولهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا} لاستنتاج خلاف ما استنتجوه منه، و قوله: {وَ لَكِنَّ اَللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشَاءُ} إشارة إلى مقدمة بانضمامها يستنتج المطلوب، و قوله: {وَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ} جواب منهم استنتجوه من كونهم بشرا مثلهم.
و تذييل هذا الكلام بقولهم: {وَ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ} للإشارة إلى ما يجري مجرى حجة ثانية على إرجاع الأمر كله و منه أمر الآية المعجزة إلى الله و هي حجة خاصة بالمؤمنين، و ملخصها أن الإيمان بالله سبحانه يقتضي منهم أن يذعنوا بأن الإتيان بالآية إنما هو إلى الله لأن الحول و القوة له خاصة لا يملك غيره من ذلك شيئا إلا بإذنه.
و ذلك لأنه هو الله عز شأنه، فهو الذي يبدأ منه و ينتهي إليه و يقوم به كل شيء فهو رب كل شيء المالك لتدبير أمره لا يملك شيء أمرا إلا بإذنه فهو وكيل كل شيء القائم بما يرجع إليه من الأمر، فعلى المؤمن أن يتخذ ربه وكيلا في جميع ما يرجع إليه حتى في أعماله التي تنسب إليه لما أن القوة كلها له سبحانه و على الرسول أن يذعن بأن ليس له الإتيان بآية معجزة إلا بإذن الله.

