تفسير الميزان ج۱۲
31يدل على صحة هذا الاتصال الغيبي لأن حكم الأمثال واحد، و إذا جاز أن تخترق العادة بشيء جاز أن تخترق بما يماثله.
و الرسل (عليه السلام) لما احتجوا على كفار أممهم في النبوة العامة بقولهم: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى} عادت الكفار إليهم بطلب الدليل منهم على ما يدعونه من النبوة لأنفسهم معتذرين في ذلك بقولهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا}، ثم صرحوا بما يطلبونه من الدليل و هو الآية المعجزة بقولهم: {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}.
فالمعنى سلمنا أن من مقتضى العناية الإلهية أن يدعونا إلى المغفرة و الرحمة، لكنا لا نسلم لكم أن هذه الدعوة قائمة بكم كما تدعون فإنكم بشر مثلنا لا تزيدون علينا بشيء، و لو كان مجرد البشرية يوجب ذلك لكنا وجدناه من أنفسنا و نحن بشر، فإن كنتم صادقين في دعواكم هذه فأتونا بسلطان مبين أي ببرهان قاطع يتسلط على عقولنا و يضطرنا إلى الإذعان بنبوتكم و هو آية معجزة غيبية تخرق العادة كما أن ما تدعونه خارق مثلها.
و بهذا البيان يظهر أولا أن كلامهم هذا من قبيل منع الدعوى، و قولهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا} سند المنع، و قولهم: {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} تصريح بطلب الدليل.
و ثانيا أن قولهم: {تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} من قبيل الاعتراض الواقع بين المنع و سنده و معناه أنكم لما كنتم بشرا مثلنا لا فضل لكم علينا بشيء فلا وجه لأن نقبل منكم ما لا نجده من أنفسنا و لا نعهده من أمثالنا، و الذي نعهده من أمثال هذه الأمور أنها إنما تظهر عن أغراض و مطامع دنيوية مادية فليس إلا أنكم تريدون أن تصرفونا عن سنتنا القومية و طريقتنا المثلى.
قوله تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشَاءُ} إلى آخر الآية جواب الرسل عما أوردوه على رسالتهم بأنكم بشر مثلنا فلستم ذوي هوية ملكوتية حتى تتصلوا بالغيب فإن كنتم صادقين في دعواكم هذه القدرة الغيبية فأتونا بسلطان مبين.

