تفسير الميزان ج۱۲
29الدنيا فبالتخلص عن النكال و العقوبة القاضية عليهم، و أما في الآخرة فبالمغفرة الإلهية بمقدار ما تلبسوا به من الإيمان و العمل الصالح.
إذا عرفت ما ذكرناه بان لك أن قوله تعالى حاكيا عن الرسل: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى} إشارة منهم (عليه السلام) إلى حجة النبوة العامة و أن قوله: {لِيَغْفِرَ لَكُمْ} إلخ، إشارة إلى غاية الدعوة الأخروية و قوله: {وَ يُؤَخِّرَكُمْ} إلخ إشارة إلى غايتها الدنيوية، و قدم ما للآخرة على ما للدنيا لأن الآخرة هي المقصودة بالذات و هي دار القرار.
و قد نسبوا الدعوة في كلامهم إلى الله سبحانه للتنبيه لما هو الحق تجاه قول الكفار {تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ} حيث نسبوها إلى الرسل، و قوله: {مِنْ ذُنُوبِكُمْ} ظاهر في التبعيض، و لعله للدلالة على أن المغفرة على قدر الطاعة، و المجتمع الإنساني لا يخلو عن المعصية المستوجبة للمؤاخذة البتة، فالمغفور على أي حال بعض ذنوب المجتمع لا جميعها فافهم ذلك.
و ربما ذكر بعضهم أن المراد به أنه يغفر حقوق الله لا حقوق الناس، و رد بأنه صح عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن الإسلام يجب ما قبله.
و ربما قيل: إن {مِنْ} زائدة و أيد بقوله تعالى في موضع آخر: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} بدون من. و فيه أن من إنما يزاد في النفي دون الإثبات كقولهم: ما جاءني من رجل و تدخل على النكرة دون المعرفة كما قيل. على أن مورد الآيتين مختلف فإن قوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} الظاهر في مغفرة الجميع إنما هو في مورد الإيمان و الجهاد و هو قوله: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ}- إلى أن قال - {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}: الصف: ١٢ و الذي حكاه الله عن نوح (عليه السلام) في مثل المقام و هو أول هؤلاء الرسل المذكورين في الآية قوله: {أَنِ اُعْبُدُوا اَللَّهَ وَ اِتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى}: نوح: ٤ و هو يوافق الآية التي نحن فيها فالتبعيض لا مفر منه ظاهرا.
و مما قيل في توجيه الآية أن المراد بالبعض الكل توسعا، و من ذلك أن المراد

