تفسير الميزان ج۱۲
26انفطارا أي قبل الفطر، و استعمل في القرآن فيما انتسب إليه تعالى بمعنى الإيجاد بنوع من العناية كأنه تعالى شق العدم شقا فأظهر من بطنه الأشياء فهي ظاهرة ما أمسك هو تعالى على شقي العدم موجودة ما كان ممسكا لها و لو ترك الإمساك لانعدمت و زالت كما قال تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ يُمْسِكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ وَ لَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ}: فاطر: ٤١.
و على هذا فتفسير الفطر بالخلق الذي هو جمع الأجزاء و الأبعاض كما وقع في بعض العبارات ليس على ما ينبغي، و يؤيد ذلك أن الفطر لو كان بمعنى الخلق لكان البرهان الذي أشير إليه بقوله: {فَاطِرِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} مسوقا لإثبات وجود الخالق فكان أجنبيا عن المقام لأن الوثنية لا تنكر وجود خالق للعالم و أنه هو الله عز اسمه لا غير، و إنما ينكرون توحيد الربوبية و العبادة و هو أن يكون الله سبحانه هو الرب المعبود لا غير، و البرهان على كونه تعالى خالقا للسماوات و الأرض لا ينفع فيه شيئا.
و كيف كان فقوله: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اَللَّهِ شَكٌّ} إلخ، كلام قوبل به قولهم: {وَ قَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} و قد عرفت أن قولهم هذا يتضمن إنكارين: إنكارهم للرسالة و تشككهم في توحيد الربوبية فكلام الرسل المورد جوابا منهم عن قولهم بالمقابلة متضمن لجزءين.
فقولهم: {أَ فِي اَللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} برهان على توحيد الربوبية إذ لو سيق لمجرد الإنكار على الكفار من غير إشارة إلى برهان لم يكن حاجة إلى ذكر الوصف {فَاطِرِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ}، ففي ذكره دلالة على أنه مزيل كل شك و ريب عنه تعالى.
و ذلك أنا نرى في أول ما نعقل أن لهذا العالم المشهود الذي هو مؤلف من أشياء كثيرة كل واحد منها محدود في نفسه متميز من غيره وجودا، و ليس وجوده و لا وجود شيء من أجزائه من نفسه و قائما بذاته و إلا لم يتغير و لم ينعدم فوجوده و وجود أجزائه و كذا كل ما يرجع إلى الوجود من الصفات و الآثار من غيرها و لغيرها و هذا الغير هو الذي نسميه «الله» عز اسمه.

