تفسير الميزان ج۱۲
216يعقلون، و الثالثة إلى الذين يتذكرون، و ذلك أن الحجة الأولى مؤلفة من مقدمات ساذجة يكفي في إنتاجها مطلق التفكر، و الثانية مؤلفة من مقدمات علمية لا يتيسر فهمها إلا لمن غار في أوضاع الأجرام العلوية و السفلية و عقل آثار حركاتها و انتقالاتها، و الثالثة مؤلفة من مقدمات كلية فلسفية إنما ينالها الإنسان بتذكر ما للوجود من الأحكام العامة الكلية كاحتياج هذه النشأة المتغيرة إلى المادة و كون المادة العامة واحدة متشابهة الأمر، و وجوب انتهاء هذه الاختلافات الحقيقية إلى أمر آخر وراء المادة الواحدة المتشابهة.
قوله تعالى: {وَ هُوَ اَلَّذِي سَخَّرَ اَلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} إلخ و هذا فصل آخر من النعم الإلهية و هو نعم البحر و الجبال و الأنهار و السبل و العلامات و كان ما تقدمه من الفصل مشتملا على نعم البر و السهل من الأشجار و الأثمار و نحوها، و لذلك قال: {وَ هُوَ اَلَّذِي سَخَّرَ} و لم يقل: و سخر إلخ.
و الطري فعيل من الطراوة و هو الغض الجديد من الشيء على ما ذكره في المفردات، و المخر شق الماء عن يمين و شمال، يقال: مخرت السفينة تمخر مخرا فهي ماخرة و مخر الأرض أيضا شقها للزراعة. على ما في المجمع و المراد بأكل اللحم الطري من البحر هو أكل لحوم الحيتان المصطادة منه، و باستخراج حلية تلبسونها ما يستخرج منه بالغوص من أمثال اللؤلؤ و المرجان التي تتحلى و تتزين بها النساء.
و قوله: {وَ تَرَى اَلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} أي تشاهد السفائن تشق ماءه عن اليمين و الشمال، و لعل قوله: {وَ تَرَى} من الخطابات العامة التي لا يقصد بها مخاطب خاص و كثيرا ما يستعمل كذلك و معناه يراه كل راء و يشاهده كل من له أن يشاهد فليس من قبيل الالتفات من خطاب الجمع السابق إلى خطاب الواحد.
و قوله: {وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي و لتطلبوا بعض رزقه في ركوب البحر و إرسال السفائن فيه و الجملة معطوفة على محذوف و التقدير و ترى الفلك مواخر فيه لتنالوا بذلك كذا و كذا و لتبتغوا من فضله، و هو كثير النظير في كلامه تعالى.
و قوله: {وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي و من الغايات في تسخير البحر و إجراء الفلك

