تفسير الميزان ج۱۲
214اَلسَّبِيلِ} أن عليه تعالى بيان السبيل الحق فضلا و كرما منه دون بيان السبيل الجائر و أما أصل الجعل فهما جميعا مجعولان له تعالى، و من منكر أن يكون تغيير الأسلوب في الآية لأمر مطلوب.
و الحق أن دلالة الآية على كون قصد السبيل مضافا إليه تعالى دون السبيل الجائر مما لا ريب فيه لكن ذلك لا يستلزم كون السبيل الجائر مخلوقا لغيره تعالى لما تقدم أن سبيل الضلال ليس بسبيل حقيقة بل حقيقته عدم سلوك سبيل الهدى كما أن الضلال عدم الهدى فليس بأمر موجود حتى ينسب خلقه و إيجاده إليه تعالى و إنما ينسب الضلال إليه تعالى فيما ينسب بمعنى عدم هدايته للضال أي عدم إيجاده الهدى في نفسه.
و مع ذلك فالذي ينسب إليه من الضلال كما في قوله: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}: فاطر: ٨ و قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً}: البقرة: ٢٦ هو الضلال بطريق المجازاة دون الضلال الابتدائي، كما يفسره قوله: {وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفَاسِقِينَ}: البقرة: ٢٦ فإذا فسق الإنسان و خرج بسوء اختياره عن زي العبودية بأن عصى و لم يرجع و هو ضلاله الابتدائي من قبل نفسه جازاه الله بالضلال بأن أثبته على حاله و لم يقض عليه الهدى.
و أما الضلال الابتدائي من الإنسان فإنما هو انكفاف و قصور عن الطاعة و قد هداه الله من طريق الفطرة و دعوة النبوة.
قوله تعالى: {هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} شروع في نوع آخر من النعم و هي النعم النباتية التي يقتات بها الإنسان و غيره و ما سخر له لتدبير أمرها كالليل و النهار و الشمس و القمر و ما يحذو حذوها، و لذلك غير السياق فقال: {هُوَ اَلَّذِي} إلخ، و لم يقل: و أنزل من السماء.
و قوله: {تُسِيمُونَ} من الإسامة و هي رعي المواشي و منه السائمة للماشية الراعية و {مِنَ} الأولى تبعيضية و الثانية نشوئية و الشجر من النبات ما له ساق و ورق و ربما توسع فأطلق على ذي الساق و غيره جميعا، و منه الشجر المذكور في الآية لمكان قوله: {فِيهِ تُسِيمُونَ} و الباقي واضح.

