تفسير الميزان ج۱۲
206كما ربما يتوهم، و قد أفاد بقوله: {قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أنه من سنخ أمره، و عرف أيضا أمره بمثل قوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ اَلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ}: يس: ٨٣ فدل على أنه كلمة الإيجاد التي يوجد سبحانه بها الأشياء أي الوجود الذي يفيضه عليها لكن لا من كل جهة بل من جهة استناده إليه تعالى بلا مادة و لا زمان و لا مكان كما يفيده قوله: {وَ مَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}: القمر: ٥٠ فإن هذا التعبير إنما يورد فيما لا تدريج فيه أي لا مادة و لا حركة له، و ليكن هذا الإجمال عندك حتى يرد عليك تفصيله فيما سيأتي إن شاء الله في تفسير سورة الإسراء.
فتحصل أن الروح كلمة الحياة التي يلقيها الله سبحانه إلى الأشياء فيحييها بمشيئته، و لذلك سماه وحيا و عد إلقاءه و إنزاله على نبيه إيحاء في قوله: {وَ كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا}: الشورى: ٥٢ فإن الوحي هو الكلام الخفي و التفهيم بطريق الإشارة و الإيماء فيكون إلقاء كلمته تعالى - كلمة الحياة - إلى قلب النبي (عليه السلام) وحيا للروح إليه، فافهم ذلك.
فقوله تعالى: {يُنَزِّلُ اَلْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} الباء للمصاحبة أو للسببية و لا كثير تفاوت بينهما في المآل كما هو ظاهر عند المتأمل فإن تنزيل الملائكة بمصاحبة الروح إنما هو لإلقائه في روح النبي (عليه السلام) ليفيض عليه المعارف الإلهية و كذا تنزيلهم بسبب الروح لأن كلمته تعالى أعني كلمة الحياة تحكم في الملائكة و تحييهم كما تحكم في الإنسان و تحييه، و ضمير {يُنَزِّلُ} له تعالى و الجملة استئناف تفيد تعليل قوله في الآية السابقة: {سُبْحَانَهُ وَ تَعَالىَ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
و المعنى: أن الله منزه و متعال عن شركهم أو عن الشريك الذي يدعونه له و لتنزهه و تعاليه عن الشريك ينزل سبحانه الملائكة بمصاحبة الروح الذي هو من سنخ أمره و كلمته في الإيجاد أو بسببه على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون.
و ذكر بعضهم أن المراد بالروح الوحي أو القرآن و سمي روحا لأن به حياة القلوب، كما أن الروح الحقيقي به حياة الأبدان. قال: و قوله: {مِنْ أَمْرِهِ} أي

