تفسير الميزان ج۱۲
203نزوله عليهم، و فيه إبعاد للمشركين فقد كانوا يستعجلون النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) استهزاء به لما كانوا يسمعون كلام الله سبحانه يذكر كثيرا نزول أمره تعالى و ينذرهم به و فيه مثل قوله للمؤمنين: {فَاعْفُوا وَ اِصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اَللَّهُ بِأَمْرِهِ} و ليس إلا أمره تعالى بظهور الحق على الباطل و التوحيد على الشرك و الإيمان على الكفر، هذا ما يعطيه التدبر في صدر السورة.
و أما ذيلها و هي ثمان و ثمانون آية من قوله: {وَ اَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اَللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} إلى آخر السورة على ما بينها من الاتصال و الارتباط فسياق الآيات فيه يشبه أن تكون مما نزلت في أوائل عهد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بالمدينة بعيد الهجرة فصدر السورة و ذيلها متقاربا النزول و ذلك لما فيها من آيات لا تنطبق مضامينها إلا على بعض الحوادث الواقعة بعيد الهجرة كقوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اَللَّهِ} (الآية)، و قوله: {وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} (الآية) النازلة على قول في سلمان الفارسي و قد آمن بالمدينة، و قوله: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} (الآية) النازلة في عمار كما سيأتي و كذا الآيات النازلة في اليهود و الآيات النازلة في الأحكام كل ذلك يفيد الظن بكون الآيات مدنية.
و مع ذلك فاختلاف النزول لائح من بعضها كقوله: {وَ اَلَّذِينَ هَاجَرُوا} (الآية): الآية - ٤١ و قوله: {وَ إِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} (الآية): ١٠١ إلى تمام آيتين أو خمس آيات، و قوله: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ} (الآية): ١٠٦ و عدة آيات تتلوها.
و الإنصاف بعد ذلك كله أن قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ هَاجَرُوا} (الآية): ٤١ إلى تمام آيتين، و قوله: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ} (الآية): ١٠٦ و بضع آيات بعدها، و قوله: {وَ إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا} (الآية): ١٢٦ و آيتان بعدها مدنية لشهادة سياقها بذلك، و الباقي أشبه بالمكية منها بالمدنية. و هذا و إن لم يوافق شيئا من المأثور لكن السياق يشهد به و هو أولى بالاتباع. و قد مر في تفسير آية ١١٨ من سورة الأنعام احتمال أن تكون نازلة بعد سورة النحل و هي مكية. و الغرض الذي هو كالجامع لآيات ذيل السورة أن فيها أمرا بالصبر و وعدا حسنا على الصبر في ذات الله.
و غرض السورة الإخبار بإشراف أمر الله و هو ظهور الدين الحق عليهم و يوضح

