تفسير الميزان ج۱۲
195المذكورون قبل، و معنى الآية إذا كان الأمر كما ذكرناه و كنت نذيرا بعذابنا كما أنزلناه على المقتسمين {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} و أعلن الدعوة و أظهر الحق {وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ إِنَّا} أي لأننا {كَفَيْنَاكَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ} بإنزال العذاب عليهم و هم {اَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}.
قوله تعالى: {وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} رجع ثانيا إلى حزنه (صلى الله عليه وآله و سلم) و ضيق صدره من استهزائهم لمزيد العناية بتسليته و تطييب نفسه و تقوية روحه، و قد أكثر سبحانه في كلامه و خاصة في السور المكية من ذلك لشدة الأمر عليه (صلى الله عليه وآله و سلم).
قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ اَلسَّاجِدِينَ وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ} وصاه سبحانه بالتسبيح و التحميد و السجدة و العبادة أو إدامة العبودية مفرعا ذلك على ضيق صدره بما يقولون ففي ذلك استعانة على الغم و المصيبة، و قد أمره في الآيات السابقة بالصفح و الصبر، و يستفاد الأمر بالصبر أيضا من قوله: {وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ} فإن ظاهره الأمر بالصبر على العبودية حتى حين، و بذلك يصير الكلام قريب المضمون من قوله تعالى لدفع الشدائد و المقاومة على مر الحوادث: {اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاَةِ}: البقرة: ١٥٣.
و بذلك يتأيد أن المراد بالساجدين المصلون و أنه أمر بالصلاة و قد سميت سجودا تسمية لها باسم أفضل أجزائها و يكون المراد بالتسبيح و التحميد اللفظي منهما كقول سبحان الله و الحمد لله أو ما في معناهما نعم لو كان المراد بالصلاة في آية البقرة التوجه إلى الله سبحانه أمكن أن يكون المراد بالتسبيح و التحميد أو بهما و بالسجود المعنى اللغوي و هو تنزيهه تعالى عما يقولون و الثناء عليه بما أنعم به عليه من النعم و التذلل له تذلل العبودية.
و أما قوله: {وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ} فإن كان المراد به الأمر بالعبادة كان كالمفسر للآية السابقة و إن كان المراد الأخذ بالعبودية كما هو ظاهر السياق، و خاصة سياق الآيات السابقة الآمرة بالصفح و الإعراض و لازمهما الصبر كان بقرينة تقييده بقوله: {حَتَّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ} أمرا بانتهاج منهج التسليم و الطاعة و القيام بلوازم العبودية.

