تفسير الميزان ج۱۲
183و ترتيب القصة بحسب أجزائها على ما ذكرها الله سبحانه في سورة هود و غيرها و الاعتبار يساعد ذلك مقتضاه أن يكون قوله: {فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ} إلى تمام آيتين قبل سائر الآيات. ثم قوله: {وَ جَاءَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ} إلى تمام ست آيات. ثم قوله: {قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ} إلى تمام أربع آيات. ثم قوله: {فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} إلى آخر الآيات.
و حقيقة هذا التقديم و التأخير أن للقصة فصولا أربعة و قد أخذ الفصل الثالث منها فوضع بين الأول و الثاني أعني أن قوله: {وَ جَاءَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ} إلى آخره أخر في الذكر ليتصل آخره و هو قوله: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} بأول الفصل الأخير: {فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} و ذلك ليتمثل به الغرض في الاستشهاد بالقصة و ينجلي أوضح الانجلاء و هو نزول عذاب هائل كعذابهم في حال سكرة منهم و أمن منه لا يخطر ببالهم شيء من ذلك و ذلك أبلغ في الدهشة و أوقع في الحسرة يزيد في العذاب ألما على ألم.
و نظير هذا في التلويح بهذه النكتة ما في آخر قصة أصحاب الحجر الآتية من اتصال قوله: {وَ كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ اَلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ} بقوله: {فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} كل ذلك ليجلي معنى قوله تعالى في صدر المقال: {وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ اَلْعَذَابُ اَلْأَلِيمُ} فافهم ذلك.
قوله تعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ} إلى آخر الآية، الإسراء هو السير بالليل، فقوله: {بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ} يؤكده و قطع الليل شطر مقطوع منه، و المراد باتباعه أدبارهم هو أن يسير وراءهم فلا يترك أحدا يتخلف عن السير و يحملهم على السير الحثيث كما يشعر به قوله: {وَ لاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ}.
و المعنى: و إذ جئناك بعذاب غير مردود و أمر من الله ماض يجب عليك أن تسير بأهلك ليلا و تأخذ أنت وراءهم لئلا يتخلفوا عن السير و لا يساهلوا فيه و لا يلتفت أحد منكم إلى ورائه و امضوا حيث تؤمرون، و فيه دلالة على أنه كانت أمامهم هداية إلهية تهديهم و قائد يقودهم.
قوله تعالى: {وَ قَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ اَلْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} القضاء

