تفسير الميزان ج۱۲
181عن الولد و إن كان يجل أن يقنط من رحمة الله و نفوذ قدرته، و لذا تعجب من قولهم و استفهمهم كيف يبشرونه بالولد و حاله هذه الحال؟ و زوجه عجوز عقيم كما وقع في موضع آخر من كلامه تعالى.
فقوله: {أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلىَ أَنْ مَسَّنِيَ اَلْكِبَرُ} الكبر كناية عن الشيخوخة و مسه هو نيله منه ما نال بإفناء شبابه و إذهاب قواه، و المعنى إني لأتعجب من بشارتكم إياي و الحال أني شيخ هرم فني شبابي و فقدت قوى بدني، و العادة تستدعي أن لا يولد لمن هذا شأنه ولد.
و قوله: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} تفريع على قوله: {مَسَّنِيَ اَلْكِبَرُ} و هو استفهام عما بشروه به كأنه يشك في كون بشارتهم بشرى بالولد مع تصريحهم بذلك لا استبعاد ذلك فيسأل ما هو الذي تبشرون به؟ فإن الذي يدل عليه ظاهر كلامكم أمر عجيب، و هذا شائع في الكلام يقول الرجل إذا أخبر بما يستبعده أو لا يصدقه: ما تقول؟ و ما تريد؟ و ما ذا تصنع؟
قوله تعالى: {قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ} إلى قوله {إِلاَّ اَلضَّالُّونَ} الباء في {بِالْحَقِّ} للمصاحبة أي إن بشارتنا ملازمة للحق غير منفكة منه فلا تدفعها بالاستبعاد فتكون من القانطين من رحمة الله و هذا، جواب للملائكة و قد قابلهم إبراهيم (عليه السلام) على نحو التكنية فقال: {وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ اَلضَّالُّونَ} و الاستفهام إنكاري أي إن القنوط من رحمة الله مما يختص بالضالين و لست أنا بضال فليس سؤالي سؤال قانط مستبعد.
قوله تعالى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا اَلْمُرْسَلُونَ} الخطب الأمر الجليل و الشأن العظيم، و في خطابهم بالمرسلين دلالة على أنهم ذكروا له ذلك قبلا، و معنى الآية ظاهر.
قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلىَ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} إلى قوله {لَمِنَ اَلْغَابِرِينَ} قال في المفردات: الغابر الماكث بعد مضي من هو معه قال تعالى: {إِلاَّ عَجُوزاً فِي اَلْغَابِرِينَ} يعني فيمن طال أعمارهم، و قيل: فيمن بقي و لم يسر مع لوط، و قيل: فيمن بقي بعد في العذاب، و في آخر: {إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ اَلْغَابِرِينَ} و في آخر: {قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ اَلْغَابِرِينَ} إلى أن قال و الغبار ما يبقى من التراب المثار و جعل على بناء

