تفسير الميزان ج۱۲
180من إرسالها أو مقدر يقدرها و يحدها، لكنه سبحانه يحكم لا معقب لحكمه و لا مانع يقاومه فلا يمنع عن إنجاز مغفرته و رحمته شيء و لا يحدهما أمر إلا أن يشاء ذلك هو جل و عز، فليس لأحد أن ييأس من مغفرته أو يقنط من روحه و رحمته استنادا إلى مانع يمنع أو رادع يردع إلا أن يخافه تعالى نفسه كما قال: {لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ وَ أَنِيبُوا إِلىَ رَبِّكُمْ}: الزمر: ٥٤.
و ليس لأحد أن يحقر عذابه أو يؤمل عجزه أو يأمن مكره و الله غالب على أمره و لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
قوله تعالى: {وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} الضيف معروف و يطلق على المفرد و الجمع و ربما يجمع على أضياف و ضيوف و ضيفان لكن الأفصح كما قيل أن لا يثنى و لا يجمع لكونه مصدرا في الأصل.
و المراد بالضيف الملائكة المكرمون الذين أرسلوا لبشارة إبراهيم بالولد و لهلاك قوم لوط سماهم ضيفا لأنهم دخلوا عليه في صورة الضيف.
قوله تعالى: {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قَالُوا لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ} ضمير الجمع في {دَخَلُوا} و {فَقَالُوا} في الموضعين للملائكة فقولهم: {سَلاَماً} تحية و تقديره نسلم عليك سلاما و قول إبراهيم (عليه السلام): {إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} أي خائفون و الوجل: الخوف.
و إنما قال لهم إبراهيم ذلك بعد ما استقر بهم المجلس و قدم إليهم عجلا حنيذا فلم يأكلوا منه فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم و أوجس منهم خيفة كما في سورة هود فالقصة مذكورة على نحو التلخيص.
و قولهم: {لاَ تَوْجَلْ} تسكين لوجله و تأمين له و تطييب لنفسه بأنهم رسل ربه و قد دخلوا عليه ليبشروه بغلام عليم أي بولد يكون غلاما و عليما، و لعل المراد كونه عليما بتعليم الله و وحيه فيقرب من قوله في موضع آخر: {وَ بَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا}: الصافات: ١١٢.
قوله تعالى: {قَالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلىَ أَنْ مَسَّنِيَ اَلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} تلقى إبراهيم (عليه السلام) البشرى و هو شيخ كبير هرم لا عقب له من زوجه و قد أيئسته العادة الجارية

