تفسير الميزان ج۱۲
172كانوا من أهل المعصية، و هذا تقرير بين و كلام ظاهر، انتهى.
و مقتضى كلامه شمول الآية لمن اتقى الشرك و لو اقترف جميع الكبائر الموبقة التي نص الكتاب العزيز باستحقاق النار بإتيانها و ترك جميع الواجبات التي نص على تركها بمثله، و المستأنس بكلامه تعالى المتدبر في آياته لا يرتاب في أن القرآن لا يسمي مثل هذا متقيا و لا يعده من المتقين، و قد أكثر القرآن ذكر المتقين و بشرهم بالجنة بشارة صريحة فيما يقرب من عشرين موضعا وصفهم في كثير منها باجتناب المحارم و بذلك فسر التقوى في الحديث كما تقدم.
ثم إن مجرد صحة إطلاق الوصف أمر و التسمية أمر آخر فلا يسمى بالمؤمنين و المحسنين و القانتين و المخلصين و الصابرين و خاصة في الأوصاف التي تحتمل البقاء و الاستمرار إلا من استقر فيه الوصف، و لو صح ما ذكره في المتقين لجرى مثل ذلك في الظالمين و الفاسقين و المفسدين و المجرمين و الغاوين و الضالين و قد أوعدهم الله النار، و أدى ذلك إلى تدافع عجيب و اختلال في كلامه تعالى، و لو قيل: إن هناك ما يصرف هذه الآيات أن تشمل المرة و المرتين كآيات التوبة و الشفاعة و نظائرها فهناك ما يصرف هذه الآية أن تشمل المتقي بالمرة و المرتين و هي نفس آيات الوعيد على الكبائر الموبقة كآيات الزنا و القتل ظلما و الربا و أكل مال اليتيم و أشباهها.
ثم الذي ذكره في تقريب الدلالة وجوه واهية كقوله: إن هذه الآية وقعت عقيب قول إبليس إلخ، فإنك قد عرفت فيما تقدم أن ذلك لا ينفعه شيئا، و كقوله: إن زيادة قيد آخر بعد الإيمان خلاف الأصل إلخ، فإن الأصل إنما يركن إليه عند عدم الدليل اللفظي و قد عرفت أن هناك آيات جمة صالحة للتقييد.
و كقوله: إن ذلك خلاف الظاهر. و كأنه يريد به ظهور المطلق في الإطلاق، و قد ذهب عليه أن ظهور المطلق إنما هو حجة فيما إذا لم يكن هناك ما يصلح للتقييد.
فالحق أن الآية إنما تشمل الذين استرقت فيهم ملكة التقوى و هو الورع عن محارم الله فأولئك هم المقضي عليهم بالسعادة و الجنة قضاء لازما، نعم المستفاد من الكتاب و السنة أن أهل التوحيد و هم من حضر الموقف بشهادة أن لا إله إلا الله لا يخلدون في النار و يدخلون الجنة لا محالة، و هذا غير دلالة آية المتقين على ذلك.

