تفسير الميزان ج۱۲
169منقطعا و لعل ذلك بالبناء على عدم جواز استثناء أكثر الأفراد فلا يقال: له على مائة إلا تسعة و تسعون مثلا و من المعلوم أن الغاوين من الناس أكثر من المخلصين بما لا يقاس.
و فيه أن ذلك إنما هو فيما كان النظر في الاستثناء إلى صريح العدد و أما إذا كان المنظور إليه هو النوع أو الصنف بعنوانه فلا بأس بزيادة عدد الأفراد، و للإنسان عدة أصناف: المخلصون و من دونهم من المؤمنين و المستضعفون و الذين اتبعوا إبليس من الغاوين، و قد استثنى الصنف الأخير في الآية بعنوانه و بقي الباقون و هم أصناف.
و منهم من جعل الاستثناء منقطعا حذرا من ثبوت سلطان إبليس حتى على الغاوين زعما منه أنه ينافي إطلاق السلطنة الإلهية أو عدله تعالى و معنى الآية على هذا، أن عبادي ليس لك عليهم سلطان لكن من اتبعك من الغاوين ألقى إليك زمام نفسه و جعل لك على نفسه سلطانا و ليس ذلك من نفسك حتى تعجز الله في خلقه و لا من الله حتى ينافي عدله تعالى.
و فيه: أن له سلطانا على الغاوين لا من نفسه بل بجعل من الله و لا ينافي ذلك عدله في خلقه فإنه تسليط مجازاة لا تسليط ابتدائي، و لا منافاة بين كون السلطان بقضاء منه تعالى و كونه باتباع الغاوين له باختيارهم فكل ذلك مما قد تبين فيما قدمناه.
على أن قوله تعالى فيه: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ}: الحج: ٤ و قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا اَلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}: الأعراف: ٢٧ يدلان صريحا على ثبوت سلطانه و أنه بجعل من الله سبحانه و قضاء.
قوله تعالى: {وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} الظاهر أن «موعد» اسم مكان و المراد بكون جهنم موعدهم كونه محل إنجاز ما وعدهم الله من العذاب.
و هذا منه سبحانه تأكيد لثبوت قدرته و رجوع الأمر كله إليه كأنه تعالى يقول له: ما ذكرته من السلطان على الغاوين ليس لك من نفسك و لم تعجزنا بل نحن سلطناك عليهم لاتباعهم لك على أنا سنجازيهم بعذاب جهنم.
و لكون الكلام مسوقا لبيان حالهم اقتصر على ذكر جزائهم و لم يذكر معهم إبليس و لا جزاءه بخلاف قوله: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}: ص: ٨٥ و قوله: {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً}: إسراء: ٦٣ لأن المقام غير المقام.

