تفسير الميزان ج۱۲
151(بيان)
هذه هي الطائفة الثالثة من الآيات الموردة إثر ما ذكر في مفتتح السورة من استهزاء الكفار بالكتاب و بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و اقتراحهم عليه آية أخرى غير القرآن، و قد ذكر الله سبحانه في هذه الطائفة بدء خلقة الإنسان و الجان و أمره الملائكة و إبليس أن يسجدوا له و سجودهم و إباء إبليس و هو من الجن و رجمه و إغواءه بني آدم، و ما قضى الله سبحانه عند ذلك من سعادة المتقين و شقاء الغاوين.
قوله تعالى: {وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} قال الراغب في المفردات: أصل الصلصال تردد الصوت من الشيء اليابس و منه قيل: صل المسمار و سمي الطين الجاف صلصالا، قال تعالى: {مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} {مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} و الصلصلة بقية ماء سميت بذلك لحكاية صوت تحركه في المزادة و قيل: الصلصال المنتن من الطين من قولهم: صل اللحم.
و قال: و الحمأة و الحمأ طين أسود منتن، و قال: و قوله: {مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} قيل: متغير و قوله: لم يتسنه معناه لم يتغير و الهاء للاستراحة. انتهى.
و قوله: {وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسَانَ} إلخ المراد به بدء خلقة الإنسان بدليل قوله: {وَ بَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ}: الم السجدة: ٨ فهو إخبار عن خلقة النوع و ظهوره في الأرض فإن خلق أول من خلق منهم و منه خلق الباقي خلق الجميع.
قال في مجمع البيان: و أصل آدم كان من تراب و ذلك قوله: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} ثم جعل التراب طينا و ذلك قوله: {وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} ثم ترك ذلك الطين حتى تغير و استرخى و ذلك قوله: {مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} ثم ترك حتى جف و ذلك قوله: {مِنْ صَلْصَالٍ} فهذه الأقوال لا تناقض فيها إذ هي إخبار عن حالاته المختلفة. انتهى.
قوله تعالى: {وَ اَلْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ اَلسَّمُومِ} قال الراغب: السموم الريح الحارة تؤثر تأثير السم. انتهى. و أصل الجن الستر و هو معنى سار في جميع ما اشتق منه كالجن و المجنة و الجنة و الجنين و الجنان بالفتح و جن عليه الليل و غير ذلك.

