تفسير الميزان ج۱۲
146و قد ثبت بالأبحاث الحديثة في علم النبات أن حكم الزوجية جار في عامة النبات و أن فيه ذكورية و أنوثية و أن الرياح في مهبها تحمل الذرات من نطفة الذكور فتلقح بها الإناث، و هو قوله تعالى: {وَ أَرْسَلْنَا اَلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}.
و قوله: {فَأَنْزَلْنَا مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} إشارة إلى المطر النازل من السحاب و قد تسلم الأبحاث العلمية الحديثة أن الماء الموجود في الكرة الأرضية من الأمطار النازلة عليها من السماء على خلاف ما كانت تعتقده القدماء أنه كرة ناقصة محيطة بكرة الأرض إحاطة ناقصة و هو عنصر من العناصر الأربعة.
و هذه الآية التي تثبت بشطرها الأول: {وَ أَرْسَلْنَا اَلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} مسألة الزوجية و اللقاح في النبات، و بشطرها الثاني: {فَأَنْزَلْنَا مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} أن المياه الموجودة المدخرة في الأرض تنتهي إلى الأمطار، و قوله تعالى السابق: {وَ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} الظاهر في أن للوزن دخلا خاصا في الإنبات و الإنماء من نقود العلم التي سبق إليها القرآن الكريم الأبحاث العلمية و هي تتلو المعجزة أو هي هي.
قوله تعالى: {وَ إِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ وَ نَحْنُ اَلْوَارِثُونَ} الكلام مسوق للحصر يريد بيان رجوع كل التدبير إليه، و قد كان ما عده من النعم كالسماء ببروجها و الأرض برواسيها، و إنبات كل شيء موزون و جعل المعايش و إرسال اللواقح و إنزال الماء من السماء إنما يتم نظاما مبنيا على الحكمة و العلم إذا انضم إليه الحياة و الموت و الحشر، و كان مما ربما يظن أن بعض الحياة و الموت ليس إليه تعالى و لذا أكد الكلام و أتى بالحصر دفعا لذلك.
ثم جاء بقوله: {وَ نَحْنُ اَلْوَارِثُونَ} أي الباقون بعد إماتتكم المتصرفون فيما خولناكموه من أمتعة الحياة كأنه تعالى يقول إلينا تدبير أمركم و نحن محيطون بكم نحييكم بعد ما لم تكونوا فنحن قبلكم، و نميتكم و نرثكم فنحن بعدكم.
قوله تعالى: {وَ لَقَدْ عَلِمْنَا اَلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا اَلْمُسْتَأْخِرِينَ} لما كانت الآيات السابقة التي تعد النعم الإلهية و تصف التدبير مسوقة لبيان وحدانيته تعالى في ربوبيته، و كان لا ينفع الخلق و النظم من غير انضمام علمه تعالى و خاصة بمن يحييه و يميته

