تفسير الميزان ج۱۲
144و هذا القدر هو الذي بسببه يتعين الشيء و يتميز من غيره ففي زيد مثلا شيء به يتميز من عمرو و غيره من أفراد الإنسان و يتميز من الفرس و البقر و الأرض و السماء و يجوز لنا به أن نقول ليس هو بعمرو و لا بالفرس و البقر و الأرض و السماء و لو لا هذا الحد لكان هو هي و ارتفع التميز.
و كذلك ما عنده من القوى و الآثار و الأعمال محدودة مقدرة فليس إبصاره مثلا إبصارا مطلقا في كل حال و في كل زمان و في كل مكان و لكل شيء و بكل عضو مثلا بل إبصار في حال و زمان و مكان خاص و لشيء خاص و بعضو خاص و على شرائط خاصة، و لو كان إبصارا مطلقا لأحاط بكل إبصار خاص و كان الجميع له و نظيره الكلام في سائر ما يعود إليه من خصائص وجوده و توابعه فافهم ذلك.
و من هنا يظهر أن القدر خصوصية وجود الشيء و كيفية خلقته كما يستفاد أيضا من قوله تعالى: {اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدىَ}: الأعلى: ٣ و قوله: {اَلَّذِي أَعْطىَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىَ} طه - ٢٥ فإن الآية الأولى رتبت الهداية و هي الدلالة على مقاصد الوجود على خلق الشيء و تسويته و تقديره، و الآية الثانية رتبتها على إعطائه ما يختص به من الخلق، و لازم ذلك على ما يعطيه سياق الآيتين كون قدر الشيء خصوصية خلقه غير الخارجة عنه.
ثم إنه تعالى وصف قدر كل شيء بأنه معلوم إذ قال: {وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} و يفيد بحسب سياق الكلام أن هذا القدر معلوم له حينما يتنزل الشيء و لما يتم نزوله و يظهر وجوده فهو معلوم القدر معينة قبل إيجاده، و إليه يئول معنى قوله: {وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ}: الرعد: ٨ فإن ظاهر الآية أن كل شيء بما له من المقدار حاضر عنده معلوم له فقوله هناك: {عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} في معنا قوله هاهنا {بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} و نظير ذلك قوله في موضع آخر: {قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}: الطلاق: ٣ أي قدرا لا يتجاوزه معينا غير مبهم معلوما غير مجهول و بالجملة للقدر تقدم على الشيء بحسب العلم و المشية و إن كان مقارنا له غير منفك عنه في وجوده.
ثم إنه تعالى أثبت بقوله: {عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ} إلخ، للشيء عنده قبل نزوله إلى هذه النشأة و استقراره فيها خزائن، و جعل القدر متأخرا عنها ملازما

