تفسير الميزان ج۱۲
140معيشة و هي ما به يعيش الحيوان و يديم حياته من المأكول و المشروب و غيرهما و يأتي مصدرا كالعيش و المعاش.
و قوله: {وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} معطوف على الضمير المجرور في {لَكُمْ} على ما ذهب إليه من النحاة الكوفيون و يونس و الأخفش من جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، و أما على قول غيرهم فربما يعطف على معايش و التقدير و جعلنا لكم من لستم له برازقين كالعبيد و الحيوان الأهلي، و ربما جعل {مَنْ} مبتدأ محذوف الخبر و التقدير: و من لستم له برازقين جعلنا له فيها معايش و هذا كله تكلف ظاهر.
و كيف كان، المراد بمن العبيد و الدواب على ما قيل أتي بلفظة من و هي لأولي العقل تغليبا هذا، و ليس من البعيد أن يكون المراد به كل ما عدا الإنسان من الحيوان و النبات و غيرهما فإنها تسأل الرزق كما يسأله العقلاء و من دأبه سبحانه في كلامه أن يطلق الألفاظ المختصة بالعقلاء على غيرهم إذا أضيف إليها شيء من الآثار المختصة بهم كقوله تعالى في الأصنام: {فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}: الأنبياء: ٦٣ و قوله: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي}: الشعراء: ٧٧ إلى غير ذلك من الآيات المتعرضة لحال الأصنام التي كانوا يعبدونها و لا يستقيم للمعبود إلا أن يكون عاقلا، و كذا قوله: {فَقَالَ لَهَا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}: حم السجدة: ١١ و غير ذلك.
و المعنى: و جعلنا لكم معشر البشر في الأرض أشياء تعيشون بها مما تدام به الحياة و لغيركم من أرباب الحياة مثل ذلك.
قوله تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} الخزائن جمع خزانة و هي مكان خزن المال و حفظه و ادخاره، و القدر بفتحتين أو فتح فسكون مبلغ الشيء و كميته المتعينة.
و لما كانت الآية واقعة في سياق الكلام في الرزق الذي يعيش به الإنسان و الحيوان كان المراد بالشيء الموصوف في الآية النبات و ما يتبعه من الحبوب و الثمرات فالمراد بخزانته التي عند الله و هو ينزل بقدر معلوم المطر النازل من السماء الذي ينبت به النبات فيأتي بالحبوب و الأثمار و يعيش بذلك الإنسان و الحيوان هذا ملخص ما ذكره جمع

