تفسير الميزان ج۱۲
101و قد اجتمع المعنيان في قوله تعالى: {وَ قَالُوا لَوْ لاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ اَلْأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ وَ لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ}: الأنعام: ٩ يقول تعالى: لو أنزلنا عليه الملائكة آية خارقة للعادة مصدقة للنبوة كان لازمه القضاء عليهم و هلاكهم و لو قلدنا الملك النبوة و الرسالة كان لازمه أن نصوره في صورة رجل من الإنسان، و أن نوقفه موقفا يحتمل اللبس فإن الرسالة إحدى وسائل الامتحان و الابتلاء الإلهي و لا امتحان إلا بما يحتمل السعادة و الشقاء و الفوز و الخيبة و يجوز معه النجاة و الهلاك و لو توصل إلى الرسالة بما يضطر العقول إلى الإيمان و يلجئ النفوس إلى القبول و اليقين لبطل ذلك كله.
قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} صدر الآية مسوق سوق الحصر، و ظاهر السياق أن الحصر ناظر إلى ما ذكر من ردهم القرآن بأنه من أهذار الجنون و أنه (صلى الله عليه وآله و سلم) مجنون لا عبرة بما صنع و لا حجر و من اقتراحهم أن يأتيهم بالملائكة ليصدقوه في دعوته و أن القرآن كتاب سماوي حق.
و المعنى على هذا و الله أعلم أن هذا الذكر لم تأت به أنت من عندك حتى يعجزوك و يبطلوه بعنادهم و شدة بطشهم و تتكلف لحفظه ثم لا تقدر، و ليس نازلا من عند الملائكة حتى يفتقر إلى نزولهم و تصديقهم إياه بل نحن أنزلنا هذا الذكر إنزالا تدريجيا و إنا له لحافظون بما له من صفة الذكر بما لنا من العناية الكاملة به.
فهو ذكر حي خالد مصون من أن يموت و ينسى من أصله، مصون من الزيادة عليه بما يبطل به كونه ذكرا مصون من النقص كذلك، مصون من التغيير في صورته و سياقه بحيث يتغير به صفة كونه ذكرا لله مبينا لحقائق معارفه.
فالآية تدل على كون كتاب الله محفوظا من التحريف بجميع أقسامه من جهة كونه ذكرا لله سبحانه فهو ذكر حي خالد.
و نظير الآية في الدلالة على كون الكتاب العزيز محفوظا بحفظ الله مصونا من التحريف و التصرف بأي وجه كان من جهة كونه ذكرا له سبحانه قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَ يَأْتِيهِ اَلْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ

