تفسير الميزان ج۱۱
96و قوله: {وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} أي و تكونوا من بعد يوسف أو من بعد قتله أو نفيه - و المآل واحد - قوما صالحين بالتوبة من هذه المعصية.
و في هذا دليل على أنهم كانوا يرونه ذنبا و إثما، و كانوا يحترمون أمر الدين و يقدسونه لكن غلبهم الحسد و سوّلت لهم أنفسهم اقتراف الذنب و ارتكاب المظلمة و آمنهم من عقوبة الذنب بتلقين طريق يمكنهم من الاقتراف من غير لزوم العقوبة الإلهية و هو أن يقترفوا الذنب ثم يتوبوا.
و هذا من الجهل فإن التوبة التي شأنها هذا الشأن غير مقبولة البتة فإن من يوطن نفسه من قبل على المعصية ثم التوبة منها لا يقصد بتوبته الرجوع إلى الله و الخضوع لمقامه حقيقة بل إنما يقصد المكر بربه في دفع ما أوعده من العذاب و العقوبة مع المخالفة لأمره أو نهيه، فتوبته ذيل لما وطن عليه نفسه أولا: أن يذنب فيتوب، فهي في الحقيقة تتمة ما رامه أولا من نوع المعصية و هو الذنب الذي تعقبه توبة و ليست رجوعا إلى ربه بالندم على ما فعل. و قد تقدم البحث عن معنى التوبة في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهَالَةٍ} (الآية) النساء: ١٧ في الجزء الرابع من الكتاب.
و قيل المراد بالصلاح في الآية صلاح الأمر من حيث سعادة الحياة الدنيا و انتظام الأمور فيها و المعنى و تكونوا من بعده قوما صالحين بصلاح أمركم مع أبيكم.
قوله تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَ أَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ اَلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ اَلسَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} الجب هو البئر التي لم يطو، أي لم يبن داخلها بالحجارة، و إن بني بها سميت البئر طويا، و الغيابة بفتح الغين المنهبط من الأرض الذي يغيب ما فيه من الأنظار و غيابة الجب قعره الذي لا يرى لما فيه من الظلمة.
و قد اختار هذا القائل الرأي الثاني المذكور في الآية السابقة الذي يشير إليه قوله: {أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً} إلا أنه قيده بما يؤمن معه القتل أو أمر آخر يؤدي إلى هلاكه كأن يلقى في بئر و يترك فيها حتى يموت جوعا أو ما يشاكل ذلك، فما أبداه من الرأي يتضمن نفي يوسف من الأرض من غير أن يتسبب إلى هلاكه بقتل أو موت أو نقص يشبهه فيكون إهلاكا لذي رحم، و هو أن يلقى في بعض الآبار التي على طريق المارة حتى يعثروا به عند الاستقاء فيأخذوه و يسيروا به إلى بلاد نائية تعفو أثره و تقطع خبره، و السياق يشهد بأنهم

