تفسير الميزان ج۱۱
93ثم بمثل يعقوب (عليه السلام) منهم.
و ليت شعري إذا لم يكن في استطاعة الإنسان أن يخالف هوى نفسه في أمثال هذه الأمور فما معنى هذه الأوامر و النواهي الجمة في الدين المتعلقة بها و هل هي إلا مجازفة صريحة.
على أن فيما ذكره إزراء لمقامات أنبياء الله و أوليائه و حطا لمواقفهم العبودية إلى درجة المتوسطين من الناس أسراء هوى أنفسهم الجاهلين بمقام ربهم، و قد عرف سبحانه الأنبياء بمثل قوله {وَ اِجْتَبَيْنَاهُمْ وَ هَدَيْنَاهُمْ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الأنعام: ٨٧ و قال في يعقوب و أبويه إبراهيم و إسحاق (عليهما السلام): {وَ كُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَ جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ اَلْخَيْرَاتِ وَ إِقَامَ اَلصَّلاَةِ وَ إِيتَاءَ اَلزَّكَاةِ وَ كَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} الأنبياء: ٧٣، و قال فيهم أيضا: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدَّارِ} ص- ٤٦.
فأخبر أنه هداهم إلى مستقيم صراطه و لم يقيد ذلك بقيد، و أنه اجتباهم و جمعهم و أخلصهم لنفسه فهم مخلصون - بفتح اللام - لله سبحانه لا يشاركه فيهم مشارك، فلا يبتغون إلا ما يريده من الحق و لا يؤثرون على مرضاته مرضاة غيره سواء كان ذلك الغير أنفسهم أو غيره، و قد كرر سبحانه في كلامه حكاية إغواء بني آدم عن الشيطان و استثنى المخلصين: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ} ص- ٨٣.
فالحق أن يعقوب إنما كان يحب يوسف و أخاه في الله سبحانه لما كان يتفرس منهما التقوى و الكمال و من يوسف خاصة ما كانت تدل عليه رؤياه أن الله سيجتبيه و يعلمه من تأويل الأحاديث و يتم نعمته عليه و على آل يعقوب، و لم يكن حبه هوى البتة.
و منها ما ذكره بعضهم أن مرادهم من قولهم: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} ضلاله في الدين، و قد عرفت أن سياق الآيات الكريمة يدفعه.
و يقابل هذا القول بوجه قول آخرين: إن إخوة يوسف كانوا أنبياء و إنما نسبوا أباهم إلى الضلال في سيرته و العدول في أمرهم عن العدل و الاستقامة، و إذا اعترض عليهم بما ارتكبوه من المعصية و الظلم في أخيهم و أبيهم، أجابوا عنه بأن ذلك كانت معصية صغيرة صدرت عنهم قبل النبوة أو لا بأس به بناء على جواز صدور الصغائر عن الأنبياء قبل

