تفسير الميزان ج۱۱
92و أما قوله: «و هو الذي أضلهم من غريزة الوالدين في زيادة العطف على صغار الأولاد و ضعافهم» و مفاده أن محبة يعقوب ليوسف إنما كانت رقة و ترحما غريزيا منه لصغرهما كما هو المشهود من الآباء بالنسبة إلى صغار أولادهم ما داموا صغارا فإذا كبروا انتقلت إلى من هو أصغر منهم.
ففيه: أن هذا النوع من الحب المشوب بالرقة و الترحم مما يسلمه الكبار للصغار و ينقطعون عن مزاحمتهم و معارضتهم في ذلك، ترى كبراء الأولاد إذا شاهدوا زيادة اهتمام الوالدين بصغارهم و ضعفائهم و اعترضوا بأن ذلك خلاف التعديل و التسوية فأجيبوا بأنهم صغار ضعفاء يجب أن يُرق لهم و يرحموا و يعانوا حتى يصلحوا للقيام على ساقهم في أمر الحياة سكتوا و انقطعوا عن الاعتراض و أقنعهم ذلك.
فلو كانت صورة حب يعقوب ليوسف و أخيه صورة الرقة و الرأفة و الرحمة لهما لصغرهما و هي التي يعهدها كل من العصبة في نفسه و يذكرها من أبيه له في حال صغره لم يعيبوها و لم يذموا أباهم عليها و لكان قولهم: {وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ} دليلا عليهم يدل على ضلالهم في نسبة أبيهم إلى الضلال لا دليلا لهم يدل على ضلال أبيهم في زيادة حبه لهما.
على أنهم قالوا لأبيهم حينما كلموا أباهم في أمر يوسف: {مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} و من المعلوم أن إكرامه ليوسف و ضمه إليه و مراقبته له و عدم أمن أحد منهم عليه، أمر وراء المحبة بالرقة و الرحمة له و لصغره و ضعفه.
و أما قوله: و ما كان يعقوب يخفى عليه هذا إلى آخر ما قال و معناه أن هوى يعقوب في ابنه صرفه عن الواجب في تربية أولاده على علم منه بأن ذلك خلاف العدل و الإنصاف و أنه سيدفعه إلى بلوى في أولاده ثم تعذيره بأن مخالفة هوى القلب و علقة الروح مما لا يستطيعه الإنسان.
ففيه أنه إفساد للأصول المسلمة العقلية و النقلية التي يستنتج منها حقائق مقامات الأنبياء و العلماء بالله من الصديقين و الشهداء و الصالحين و ما بني عليه البحث عن كرائم الأخلاق أن الإنسان بحسب فطرته في سعة من التخلق بها و محق الرذائل النفسانية التي أصلها و أساسها اتباع هوى النفس و إيثار مرضاة الله سبحانه على كل مرضاة و بغية، و هذا أمر نرجوه من كل من ارتاض بالرياضات الخلقية من أهل التقوى و الورع فما الظن بالأنبياء

