تفسير الميزان ج۱۱
89و قوله: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينَا مِنَّا} القائلون هم أبناء يعقوب ما خلا يوسف و أخاه الذي ذكروه معه، و كانت عدتهم عشرة و هم رجال أقوياء بيدهم تدبير بيت أبيهم يعقوب و إدارة مواشيه و أمواله كما يدل عليه قولهم: {وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ}.
و قولهم: {لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ} بنسبته إلى يوسف مع أنهم جميعا أبناء ليعقوب و إخوة فيما بينهم يشعر بأن يوسف و أخاه هذا كانا أخوين لأم واحدة و أخوين لهؤلاء القائلين لأب فقط، والروايات تذكر أن اسم أخي يوسف هذا «بنيامين»، و السياق يشهد أنهما كانا صغيرين لا يقومان بشيء من أمر بيت يعقوب و تدبير مواشيه و أمواله.
و قولهم: {وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ} أي عشرة أقوياء مشدود ضعف بعضنا بقوة بعض، و هو حال عن الجملة السابقة يدل على حسدهم و حنقهم لهما و غيظهم على أبيهم يعقوب في حبه لهما أكثر منهم، و هو بمنزلة تمام التعليل لقولهم بعده: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}.
و قولهم: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} قضاء منهم على أبيهم بالضلال و يعنون بالضلال الاعوجاج في السليقة و فساد السيرة دون الضلال في الدين.
أما أولا: فلأن ذلك هو مقتضى ما تذاكروا فيما بينهم إنهم جماعة إخوان أقوياء متعاضدون متعصب بعضهم لبعض يقومون بتدبير شئون أبيهم الحيوية و إصلاح معاشه و دفع كل مكروه يواجهه، و يوسف و أخوه طفلان صغيران لا يقويان من أمور الحياة على شيء، و ليس كل منهما إلا كَلّا عليه و عليهم، و إذا كان كذلك كان توغل أبيهم في حبهما و اشتغاله بكليته بهما دونهم و إقباله عليهما بالإعراض عنهم طريقة معوجة غير مرضية فإن حكمة الحياة تستدعي أن يهتم الإنسان بكل من أسبابه و وسائله على قدر ما له من التأثير، و قصر الإنسان اهتمامه على من هو كَلٌّ عليه و لا يغني عنه طائلا و الإعراض عمن بيده مفاتيح حياته و أزمة معاشه ليس إلا ضلالا من صراط الاستقامة و اعوجاجا في التدبير، و أما الضلال في الدين فله أسباب أخر كالكفر بالله و آياته و مخالفة أوامره و نواهيه.
و أما ثانيا: فلأنهم كانوا مؤمنين بالله مذعنين بنبوة أبيهم يعقوب كما يظهر من قولهم: {وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} و قولهم أخيرا: {يَا أَبَانَا اِسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } الآية ٩٧ من السورة و قولهم ليوسف أخيرا: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اَللَّهُ عَلَيْنَا} و غير ذلك، و لو أرادوا بقولهم: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} ضلاله في الدين لكانوا بذلك كافرين.

