تفسير الميزان ج۱۱
8الأحوال القلبية، و كذلك عمل الواحد بالنسبة إلى أعمال من معه من بني نوعه من حيث التأثير و التأثر، و كذلك أعمال الأولين بالنسبة إلى أعمال الآخرين و أعمال اللاحقين بالنسبة إلى أعمال السابقين، و في المتقدمين أئمة الهدى و الضلال المسئولون عن أعمال المتأخرين، و في المتأخرين الأتباع و الأذناب المسئولون عن غرور متبوعيهم المتقدمين، قال تعالى: {فَلَنَسْئَلَنَّ اَلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ اَلْمُرْسَلِينَ} الأعراف ٦، و قال: {وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ آثَارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} يس: ١٢.
ثم الجزاء لا يتخلف الحكم الفصل.
و هذا الشأن على هذا النعت لا يتم إلا باجتماع من الناس بحيث لا يشذ منهم شاذ.
و من هنا يظهر أن مسألة الآحاد من الناس في قبورهم و جزاءهم فيها بشيء من الثواب و العقاب على ما تشير إليه آيات البرزخ و تذكره بالتفصيل الأخبار الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أئمة أهل البيت (عليهم السلام) غير ما أخبر الله تعالى به من حساب يوم القيامة و الجزاء المقضي به هناك من الجنة و النار الخالدتين؛ فإن الذي يستقبل الإنسان في البرزخ هو المسألة لتكميل صحيفة أعماله ليدخر لفصل القضاء يوم القيامة، و ما يسكن فيه في البرزخ من جنة أو نار إنما هو كالنزل المعجل للنازل المتهيئ للقاء و الحكم، و ليس ما هناك حسابا تاما و لا حكما فصلا و لا جزاء قاطعا كما يشير إليه نظائر قوله:
{اَلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اَلْعَذَابِ} المؤمن: ٤٦، و قوله: {يُسْحَبُونَ فِي اَلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي اَلنَّارِ يُسْجَرُونَ} المؤمن: ٧٢ فترى الآية تعبر عن عذابهم بالعرض على النار ثم يوم القيامة بدخولها و هو أشد العذاب، و تعبر عن عذابهم بالسحب في الحميم ثم بالسجر في النار و هو الاشتعال و قوله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} آل عمران: ١٧٠ فالآية صريحة في عالم القبر و لم تذكر حسابا و لا جنة الخلد و إنما ذكرت شيئا من التنعم إجمالا.
و قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَ مِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} المؤمنون: ١٠٠ تذكر الآية أنهم بعد الموت في حياة برزخية متوسطة بين الحياة الدنيوية التي هي لعب و لهو و الحياة الأخروية التي هي حقيقة الحياة كما قال: {وَ مَا هَذِهِ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا

