تفسير الميزان ج۱۱
77(بيان)
تذكر الآيات رؤيا رآها يوسف و قصها على أبيه يعقوب (عليهما السلام) فعبرها أبوه له و نهاه أن يقصها على إخوته، و هذه الرؤيا بشرى بشر الله سبحانه يوسف بها ليكون مادة روحية لتربيته تعالى عبده في صراط الولاية و القرب من ربه، و هي بمنزلة المدخل في قصته (عليه السلام).
قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} لم يذكر يعقوب (عليه السلام) باسمه بل كنى عنه بالأب للدلالة على ما بينهما من صفة الرحمة و الرأفة و الشفقة كما يدل عليه ما في الآية التالية: {قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ} إلخ.
و قوله: {رَأَيْتُ} و {رَأَيْتُهُمْ} من الرؤيا و هي ما يشاهده النائم في نومته أو الذي خمدت حواسه الظاهرة بإغماء أو ما يشابهه، و يشهد به قوله في الآية التالية: {لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلى إِخْوَتِكَ} و قوله في آخر القصة: {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَايَ}.
و تكرار ذكر الرؤية لطول الفصل بين قوله: {رَأَيْتُ} و قوله: {لِي سَاجِدِينَ} و من فائدة التكرير الدلالة على أنه إنما رآهم مجتمعين على السجود جميعا لا فرادى، على أن ما حصل له من المشاهدة نوعان مختلفان فمشاهدة أشخاص الكواكب و الشمس و القمر مشاهدة أمر صوري و مشاهدة سجدتهم و خضوعهم و تعظيمهم له مشاهدة أمر معنوي.
و قد عبر عن الكواكب و النيرين في قوله: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} بما يختص بأولى العقل - ضمير الجمع المذكر و جمع المذكر السالم - للدلالة على أن سجدتهم كانت عن علم و إرادة كما يسجد واحد من العقلاء لآخر.
و قد افتتح سبحانه قصته (عليه السلام) بذكر هذه الرؤيا التي أراها له و هي بشرى له تمثل له ما سيناله من الولاية الإلهية و يخص به من اجتباء الله إياه و تعليمه تأويل الأحاديث و إتمام نعمته عليه، و من هناك تبتدئ التربية الإلهية له لأن الذي بشر به في رؤياه لا يزال نصب عينيه في الحياة لا يتحول من حال إلى حال، و لا ينتقل من شأن إلى شأن، و لا يواجه

