تفسير الميزان ج۱۱
7الإشارة إلى ما تقدم من أنباء القرى، و ذلك بعض مصاديق أخذه تعالى بالعقوبة، قاس به مطلق أخذه القرى في أنه أليم شديد، و هذا من قبيل التشبيه الكلي ببعض مصاديقه في الحكم؛ للدلالة على أن الحكم عام شامل لجميع الأفراد و هو نوع من فن التشبيه شائع و قوله: {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} بيان لوجه الشبه و هو الألم و الشدة.
و المعنى كما أخذ الله سبحانه هؤلاء الأمم الظالمة: قوم نوح و هود و صالح و لوط و شعيب و قوم فرعون أخذا أليما شديدا، كذلك يأخذ سائر القرى الظالمة إذا أخذها فليعتبر بذلك المعتبرون.
قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ اَلْآخِرَةِ} إلى آخر الآية، الإشارة إلى ما أنبأه الله من قصص تلك القرى الظالمة التي أخذها بظلمها أخذا أليما شديدا. و أنبأ أن أخذه كذلك يكون، و في ذلك آية لمن خاف عذاب الحياة الآخرة و علامة تدل على أن الله سبحانه و تعالى سيأخذ في الآخرة المجرمين بإجرامهم، و أن أخذه سيكون أليما شديدا فيوجب اعتباره بذلك و تحرزه مما يستتبع سخط الله تعالى.
و قوله: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ اَلنَّاسُ} أي ذلك اليوم الذي يقع فيه عذاب الآخرة يوم مجموع له الناس، فالإشارة إلى اليوم الذي يدل عليه ذكر عذاب الآخرة، «و لذلك أتي بلفظ المذكر» كما قيل، و يمكن أن يكون تذكير الإشارة ليطابق المبتدأ الخبر.
و وصف اليوم الآخر بأنه مجموع له الناس دون أن يقال: سيجمع أو يجمع له الناس؛ إنما هو للدلالة على أن جمع الناس له من أوصافه المقضية له التي تلزمه و لا تفارقه من غير أن يحتاج إلى الإخبار عنه بخبر.
فمشخِّص هذا اليوم أن الناس مجموعون لأجله و اللام للغاية فلليوم شأن من الشأن لا يتم إلا بجمع الناس بحيث لا يغادر منهم أحد و لا يتخلف عنه متخلف: و للناس شأن من الشأن يرتبط به كل واحد منهم بالجميع، و يمتزج فيه الأول مع الآخر و الآخر مع الأول و يختلط فيه الكل بالبعض و البعض بالكل، و هو حساب أعمالهم من جهة الإيمان و الكفر و الطاعة و المعصية، و بالجملة من حيث السعادة و الشقاوة.
فإن من الواضح أن العمل الواحد من إنسان واحد يرتضع من جميع أعماله السابقة المرتبطة بأحواله الباطنة، و يرتضع منه جميع أعماله اللاحقة المرتبطة أيضا بما له من

