تفسير الميزان ج۱۱
63الشورى: ١٣ حيث عبر عن الاختلاف بالتفرق، و كذا قوله: {وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} الأنعام: ١٥٣ و هذا أوضح دلالة من سابقه فإنه يجعل أهل الحق الملازمين لسبيله خارجا من أهل التفرق و الاختلاف.
و لذلك ترى أنه سبحانه في غالب ما يذكر اختلافهم في الكتاب يردفه بارتيابهم فيه كقوله فيما مرت من الآيات: {وَ لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى اَلْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَ لَوْ لاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} آية ١١٠ من السورة، و قد كرر هذا المعنى في مواضع من كلامه.
و قال تعالى: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ اَلنَّبَإِ اَلْعَظِيمِ اَلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} النبأ: ٣ أي يأتي فيه كل بقول يبعدهم من الحق فيتفرقون و قال: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ قُتِلَ اَلْخَرَّاصُونَ} الذاريات: ١٠ أي قول لا يقف على وجه و لا يبتني على علم بل الخرص و الظن هو الذي أوجده فيكم.
و في هذا المعنى قوله تعالى: {يَا أَهْلَ اَلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ اَلْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَ تَكْتُمُونَ اَلْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} آل عمران: ٧١ فإن هذا اللبس المذموم منهم إنما كان بإظهار قول يشبه الحق و ليس به و هو إلقاء التفرق الذي يختفي به الحق.
فالمراد باختلافهم إيجادهم أقوالا و آراء يتفرقون بها عن الحق و يظهر بها الريب فهم لاتباعهم أهواءهم المخالفة للحق يظهرون آراءهم الباطلة في صور متفرقة تضاهي صورة الحق ليحجبوه عن أفهام الناس بغيا و عدوانا بعد علمهم بالحق فهو اختلافهم في الحق بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم.
و يتبين بما تقدم على طوله أن الإشارة بقوله: {وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} إلى الرحمة المدلول عليه بقوله: {إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} و التأنيث اللفظي في لفظ الرحمة لا ينافي تذكير اسم الإشارة لأن المصدر جائز الوجهين، قال تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اَللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ} الأعراف: ٥٦ و ذلك لأنك عرفت أن هذا الاختلاف بغي منهم يفرقهم عن الحق و يستره و يظهر الباطل و لا يجوز كون الباطل غاية حقيقية للحق تعالى في خلقه، و لا معنى لأن يوجد الله سبحانه العالم الإنساني ليبغوا و يميتوا الحق و يحيوا الباطل فيهلكهم ثم يعذبهم بنار خالدة، فالقرآن الكريم يدفع هذا بجميع بياناته.

