تفسير الميزان ج۱۱
62الديني الذي يذمه و ينسبه إلى البغي بعد العلم بالحق.
و قوله: {إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} استثناء من قوله: {وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} أي الناس يخالف بعضهم بعضا في الحق أبدا إلا الذين رحمهم الله فإنهم لا يختلفون في الحق و لا يتفرقون عنه، و الرحمة هي الهداية الإلهية كما يفيده قوله: {فَهَدَى اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ اَلْحَقِّ بِإِذْنِهِ} البقرة: ٢١٣.
فإن قلت: معنى اختلاف الناس أن يقابل بعضهم بعضا بالنفي و الإثبات فيصير معنى قوله: {وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} أنهم منقسمون دائما إلى محق و مبطل، و لا يصح حينئذ ورود الاستثناء عليه إلا بحسب الأزمان دون الأفراد و ذلك أن انضمام قوله: {إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} إليه يئول المعنى إلى مثل قولنا: إنهم منقسمون دائما إلى مبطلين و محقين إلا من رحم ربك منهم فإنهم لا ينقسمون إلى قسمين، بل يكونون محقين فقط، و من المعلوم أن المستثنين منهم هم المحقون فيرجع معنى الكلام إلى مثل قولنا: إن منهم مبطلين و محقين و المحقون محقون لا مبطل فيهم، و هذا كلام لا فائدة فيه.
على أنه لا معنى لاستثناء المحقين من حكم الاختلاف أصلا و هم من الناس المختلفين، و الاختلاف قائم بهم و بالمبطلين معا.
قلت: الاختلاف المذكور في هذه الآية و سائر الآيات المتعرضة له الذامة لأهله إنما هو الاختلاف في الحق، و مخالفة البعض للبعض في الحق و إن كانت توجب كون بعض منهم على الحق و على بصيرة من الأمر لكنه إذا نسب إلى المجموع و هو المجتمع كان لازمه ارتياب المجتمع و تفرقهم عن الحق و عدم اجتماعهم عليه و تركهم إياه بحياله، و مقتضاه اختفاء الحق عنهم و ارتيابهم فيه.
و الله سبحانه إنما يذم الاختلاف من جهة لازمة هذا و هو التفرق و الإعراض عن الحق و الآيات تشهد بذلك فإنه تعالى يذم فيها جميع المختلفين باختلافهم لا المبطلين من بينهم فلولا أن المراد بالمختلفين أهل الآراء أو الأعمال المختلفة التي تفرقهم عن الحق لم يصح ذلك.
و من أحسن ما يؤيده قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَ مَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}

