تفسير الميزان ج۱۱
61الزخرف: ٣٢. و لم يذمه تعالى في شيء من كلامه إلا إذا صحب هوى النفس و خالف هدى العقل.
و ليس منه الاختلاف في الدين فإن الله سبحانه يذكر أنه فطر الناس على معرفته و توحيده و سوّى نفس الإنسان فألهمها فجورها و تقواها، و أن الدين الحنيف هو من الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، و لذلك نسب الاختلاف في الدين في مواضع من كلامه إلى بغي المختلفين فيه و ظلمهم {فَمَا اِخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}.
و قد جمع الله الاختلافين في قوله: {كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ } و هذا هو الاختلاف الأول في الحياة و المعيشة {و ما اختلف فيه} و هذا هو الاختلاف الثاني في الدين {إِلاَّ اَلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ اَلْحَقِّ بِإِذْنِهِ} البقرة: ٢١٣ فهذا ما يعطيه كلامه تعالى في معنى الاختلاف.
و الذي ذكره بقوله: {وَ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} يريد به رفع الاختلاف من بينهم و توحيدهم على كلمة واحدة يتفقون فيه، و من المعلوم أنه ناظر إلى ما ذكره تعالى في الآيات السابقة على هذه الآية من اختلافهم في أمر الدين و انقسامهم إلى طائفة أنجاهم الله و هم قليل و طائفة أخرى و هم الذين ظلموا.
فالمعنى أنهم و إن اختلفوا في الدين فإنهم لم يعجزوا الله بذلك و لو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة لا يختلفون في الدين فهو نظير قوله: {وَ عَلَى اَللَّهِ قَصْدُ اَلسَّبِيلِ وَ مِنْهَا جَائِرٌ وَ لَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} النحل: ٩ و قوله: {أَ فَلَمْ يَيْأَسِ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اَللَّهُ لَهَدَى اَلنَّاسَ جَمِيعاً} الرعد: ٣١.
و على هذا فقوله: {وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} إنما يعني به الاختلاف في الدين فحسب فإن ذلك هو الذي يذكر لنا أن لو شاء لرفعه من بينهم، و الكلام في تقدير: لو شاء الله لرفع الاختلاف من بينهم لكنه لم يشأ ذلك فهم مختلفون دائما.
على أن قوله: {إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} يصرح أنه رفعه عن طائفة رحمهم، و الاختلاف في غير الدين لم يرفعه الله تعالى حتى عن الطائفة المرحومة، و إنما رفع عنهم الاختلاف

