تفسير الميزان ج۱۱
54و أي دليل يدل على قصور الآية عن الشمول للظالمين من أهل الكتاب و قد ذكرهم الله أخيرا في زمرة الظالمين باختلافهم في كتاب الله بغيا، و قد نهى الله عن ولايتهم و شدد فيه حتى قال: {وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} المائدة: ٥١، و قال في ولاية مطلق الكافرين، {وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللَّهِ فِي شَيْءٍ} آل عمران: ٢٨.
و أي مانع يمنع الآية أن تشمل الظالمين من هذه الأمة و فيهم من هو أشقى من جبابرة عاد و ثمود و أطغى من فرعون و هامان و قارون.
و مجرد كون الإسلام عند نزول السورة مبتلى بقريش و مشركي مكة و حواليها لا يوجب تخصيصا في اللفظ فإن خصوص المورد لا يخصص عموم اللفظ فالآية تنهى عن الركون إلى كل من اتسم بسمة الظلم، أي من كان مشركا أو موحدا مسلما أو من أهل الكتاب.
و أما قوله: إن المراد بقوله: {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} المعنى الوصفي و إن كان فعلا أي الكافرون لا كل فرد من الناس وقع منه كفر في الماضي. ففيه أنا بينا في الكلام على تلك الآية و في مواضع أخرى تقدمت في الكتاب أن الآية خاصة بالكفار من صناديد قريش الذين شاقوا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في بادئ أمره حتى كفاه الله إياهم و أفناهم ببدر و غيره، و أنهم المسمون بالذين كفروا. و ليست الآية عامة، و لو كانت الآية عامة و كان المراد بالذين كفروا هم الكافرين كما قاله لم تصدق الآية فيما تخبر به فما أكثر من آمن من الكافرين حتى من كفار مكة بعد نزول هذه الآية.
و لو قيل: إن المراد بهم الذين لم يؤمنوا إلى آخر عمرهم لم تفد الآية شيئا إذ لا معنى لقولنا: إن الكافرين الذين لا يؤمنون إلى آخر عمرهم لا يؤمنون فلا مناص من أخذها آية خاصة غير عامة، و كون المراد بالذين كفروا طائفة خاصة بأعيانهم.
و قد ذكرنا فيما تقدم أن {اَلَّذِينَ آمَنُوا} أيضا فيما لا دليل في المورد يدل على خلافه اسم تشريفي لمن آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في أول دعوته الحقة، و بهم تختص خطابات {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا} في القرآن و إن شاركهم غيرهم في الأحكام.
و أما قوله في آخر كلامه: و قد عبر عن هؤلاء الأعداء المشركين بالذين ظلموا كما عبر عن أقوام الرسل الأولين في قصصهم من هذه السورة به و عبر عنهم فيها بالظالمين أيضا فلا

