تفسير الميزان ج۱۱
47أوردناه، و من شاء الوقوف عليها فليراجع مطولات التفاسير.
قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَ مَنْ تَابَ مَعَكَ وَ لاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يقال: قام كذا و ثبت و ركز بمعنى واحد كما ذكره الراغب و غيره، و الظاهر أن الأصل المأخوذ به في ذلك قيام الإنسان و ذلك أن الإنسان في سائر حالاته و أوضاعه غير القيام كالقعود و الانبطاح و الجثو و الاستلقاء و الانكباب لا يقوى على جميع ما يرومه من الأعمال كالقبض و البسط و الأخذ و الرد و سائر ما الإنسان مهيمن عليه بالطبع لكنه إذا قام على ساقه قياما كان على أعدل حالاته الذي يسلطه على عامة أعماله من ثبات و حركة و أخذ و رد و إعطاء و منع و جلب و دفع، و ثبت مهيمنا على ما عنده من القوى و أفعالها، فقيام الإنسان يمثل شخصيته الإنسانية بما له من الشئون.
ثم استعير في كل شيء لأعدل حالاته الذي يسلط معه على آثاره و أعماله فقيام العمود أن يثبت على طوله و قيام الشجر أن يركز على ساقه متعرقا بأصله في الأرض، و قيام الإناء المحتوي على مائع أن يقف على قاعدته فلا يهراق ما فيه و قيام العدل أن ينبسط على الأرض، و قيام السنة و القانون أن تجري في البلاد.
و الإقامة جعل الشيء قائما أي جعله بحال يترتب عليه جميع آثاره بحيث لا يفقد شيئا منها كإقامة العدل و إقامة السنة و إقامة الصلاة و إقامة الشهادة، و إقامة الحدود، و إقامة الدين و نحو ذلك.
و الاستقامة طلب القيام من الشيء و استدعاء ظهور عامة آثاره و منافعه فاستقامة الطريق اتصافه بما يقصد من الطريق كالاستواء و الوضوح و عدم إضلاله من ركبه، و استقامة الإنسان في أمر أن يطلب من نفسه القيام به و إصلاحه بحيث لا يتطرق إليه فساد و لا نقص، و يأتي تاما كاملا، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ} حم السجدة: ٦ أي قوموا بحق توحيده في ألوهيته، و قال: {إِنَّ اَلَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ اِسْتَقَامُوا} حم السجدة: ٣٠ أي ثبتوا على ما قالوا في جميع شئون حياتهم لا يركنون في عقائدهم و أخلاقهم و أعمالهم إلا إلى ما يوافق التوحيد و يلائمه أي يراعونه و يحفظونه في عامة ما يواجههم في باطنهم و ظاهرهم. و قال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} الروم: ٣٠ فإن المراد بإقامة الوجه إقامة النفس من حيث تستقبل العمل

