تفسير الميزان ج۱۱
34ما في التقرير، و قد عرفت ما يرد عليه.
و عاشرها: أن المراد إلا من شاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار فالاستثناء من الضمير العائد إلى الذين شقوا، و التقدير فأما الذين شقوا فكائنون في النار إلا من شاء ربك، و الظاهر أن هذا القائل يوجه الاستثناء في ناحية أهل الجنة: {وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا} - إلى قوله - {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} بأن المراد به أهل التوحيد الخارجون من النار إلى الجنة كما تقدم في بعض الوجوه السابقة، و المعنى أن السعداء في الجنة خالدين فيها إلا الفساق من أهل التوحيد فإنهم في النار ثم يخرجون فيدخلون الجنة، و نسب الوجه إلى أبي مجاز.
و فيه: أن ما ذكره إنما يجري في أول الاستثنائين فالثاني من الاستثناءين لا بد أن يوجه بوجه آخر، و هو كائنا ما كان يوجب انتقاض وحدة السياق في الآيتين.
على أن العصاة من المؤمنين الذين يعفو عنهم الله سبحانه فلا يدخلهم النار من رأس لا يعفى عنهم جزافا و إنما يعفى لصالح عمل عملوه أو لشفاعة فيصيرون بذلك سعداء فيدخلون في الآية الثانية: {وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ} إلخ، من غير أن يدخلوا في زمرة الأشقياء ثم يستثنوا لعدم دخولهم النار، و بالجملة هم ليسوا بأشقياء حتى يستثنوا بل سعداء داخلون في الجنة من أول.
و قوله: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} تعليل للاستثناء، و تأكيد لثبوت قدرته تعالى مع العمل على حال إطلاقها كما تقدم.
قوله تعالى: {وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} قرئ: سعدوا، بالبناء للمجهول و بالبناء للمعلوم و الثاني أوفق باللغة، لأن مادة سعد لازمة في المعروف من استعمالهم لكن الأول و هو سعدوا بالبناء للمجهول مع كون {شَقُوا} في الآية السابقة بالبناء للمعلوم لا يخلو عن إشارة لطيفة إلى أن السعادة و الخير من الله سبحانه و الشر الملحق بهم هو من عندهم كما قال تعالى: {وَ لَوْ لاَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مَا زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً} النور: ٢١.
و الجذ: هو القطع و عطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع، وعده تعالى الجنة عطاء غير مجذوذ مع سبق الاستثناء من الخلود بقوله: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} من أحسن الشواهد

