تفسير الميزان ج۱۱
29خروج البعض من النار كاف في انتفاض العموم و صحة الاستثناء.
و يبقى الكلام في إيقاع {مَا }في قوله {مَا شَاءَ} على من يعقل و لا ضير فيه و إن لم يكن شائعا لوقوعه في كلامه تعالى كقوله {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسَاءِ } النساء - ٣.
و الكلام في الآية التالية {وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا} إلخ، نظير الكلام في هذه الآية لاشتراكهما في السياق غير أن الاستثناء في آية الجنة يعقبه قوله {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} و لازمه أن لا يكون الاستثناء مشيرا إلى تحقق الوقوع فإنه لا يلائم كون الجنة عطاء غير مقطوع بل مشيرا إلى إمكان الوقوع و المعنى أن أهل الجنة فيها أبدا إلا أن يخرجهم الله منها لكن العطية دائمية و هم غير خارجين و الله غيرُ شاءٍ ذلك أبدا.
فيكون الاستثناء مسوقا لإثبات قدرة الله المطلقة و أن قدرة الله سبحانه لا تنقطع عنهم بإدخالهم الجنة الخالدة و سلطنته لا تنفد و ملكه لا يزول و لا يبطل و أن الزمان بيده، و قدرتُه و إحاطته باقية على ما كانت عليه قبل فله تعالى أن يخرجهم من الجنة و إن وعد لهم البقاء فيها دائما لكنه تعالى لا يخرجهم لمكان وعده و الله لا يخلف الميعاد.
و الكلام في الاستثناء الواقع في هذه الآية أعني آية النار نظيره في آية الجنة لوحدة السياق بالمقابلة و المحاذاة و إن اختتمت الآية بقوله {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} و فيه من الإشارة إلى التحقق ما لا يخفى.
فأهل الخلود في النار كأهل الخلود في الجنة لا يخرجون منها أبدا إلا أن يشاء الله سبحانه ذلك لأنه على كل شيء قدير و لا يوجب فعل من الأفعال إعطاء أو منع سلب قدرته على خلافه أو خروج الأمر من يده لأن قدرته مطلقة غير مقيدة بتقدير دون تقدير أو بأمر دون أمر قال تعالى {وَ يَفْعَلُ اَللَّهُ مَا يَشَاءُ } إبراهيم - ٢٧ و قال {يَمْحُوا اَللَّهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ} الرعد - ٣٩ إلى غير ذلك من الآيات.
و لا منافاة بين هذا الوجه و بين ما ورد في الأخبار من خروج بعض المجرمين منها بمشية الله كما لا يخفى.

