تفسير الميزان ج۱۱
152و هو السجن و الكون من الصاغرين.
و أما ثانيا فلأنها هاهنا قامت بالتهديد بنفسها لا بأن تسأل زوجها، و كلامها كلام من لا يتردد فيما عزم عليه و لا يرجع عما جزم به. و قد حققت أنها تملك قلب زوجها و تقدر أن تصرفه مما يريده إلى ما تريده، و تقوى على التصرف في أمره كيفما شاءت.
قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ} قال الراغب في المفردات: صبا فلان يصبو صبوا و صبوة إذا نزع و اشتاق و فعل فعل الصبيان، قال تعالى: {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ} انتهى و في المجمع: الصبوة لطافة الهوى. انتهى.
تفاوضت امرأة العزيز و النسوة فقالت و قلن و استرسلن في بت [بثّ] ما في ضمائرهن و يوسف (عليه السلام) واقف أمامهن يدعونه و يراودنه عن نفسه لكن يوسف (عليه السلام) لم يلتفت إليهن و لا كلمهن و لا بكلمة بل رجع إلى ربه الذي ملك قلبه بقلب لا مكان فيه إلا له و لا شغل له إلا به و {قَالَ رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} إلخ.
و قوله هذا ليس بدعاء على نفسه بالسجن و أن يصرف الله عنه ما يدعونه إليه بإلقائه في السجن، و إنما هو بيان حالٍ لربه و أنه عن تربية إلهية يرجح عذاب السجن في جنب الله على لذة المعصية و البعد منه، فهذا الكلام منه نظير ما قاله لامرأة العزيز حين خلت به و راودته عن نفسه: {مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ اَلظَّالِمُونَ} ففي الكلامين معا تمنع و تعزز بالله، و إنما الفرق أنه يخاطب بأحدهما امرأة العزيز و بالآخر ربه القوي العزيز و ليس شيء من الكلامين دعاء البتة.
و في قوله: {رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} إلخ، نوع توطئة لقوله {وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} إلخ، الذي هو دعاء في صورة بيان الحال.
فمعنى الآية: رب إني لو خيرت بين السجن و بين ما يدعونني إليه لاخترت السجن على غيره و أسألك أن تصرف عني كيدهن فإنك إنْ لا تصرف عني كيدهن أنتزع و أمل إليهن و أكن من الجاهلين فإني إنما أتوقى شرهن بعلمك الذي علمتنيه و تصرف به عني كيدهن فإن أمسكت عن إفاضته علي صرت جاهلا و وقعت في مهلكة الصبوة و الهوى.

