تفسير الميزان ج۱۱
151فعلا و قولا بتقطيع الأيدي و تنزيه الحسن فلم يبق لهن إلا أن يصدقنها فيما تقول و يعذرنها فيما تفعل.
قوله تعالى: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} إلى آخر الآية، الكلام في موضع دفع الدخل؛ كأن قائلا يقول: فما ذا قالت امرأة العزيز لهن؟ فقيل: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ}.
و قد فرعت كلامها على ما تقدمه من قولهن و فعلهن و أشارت إلى شخص الذي لمنها فيه و وصفته بأنه الذي لمنها فيه ليكون هو بعينه جوابا لما رمينها به من ترك شرف بيتها و عزة زوجها و عفة نفسها في حبه، و عذرا قبال لومهن إياها في مراودته، و أقوى البيان أن يحال السامع إلى العيان، و من هذا الباب قوله تعالى {أَ هَذَا اَلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} الأنبياء: ٣٦، و قوله: {رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّونَا} الأعراف: ٣٨.
ثم اعترفت بالمراودة و ذكرت لهن أنها راودته لكنه أخذ بالعفة و طلب العصمة، و إنما استرسلت و أظهرت لهن ما لم تزل تخفيه لما رأت موافقة القلوب على التوله فيه فبثت الشكوى لهن و نبهت يوسف أنها غير تاركته فليوطن نفسه على طاعتها فيما تأمر به، و هذا معنى قولها: {وَ لَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ}.
ثم ذكرت لهن ما عزمت عليه من إجباره على الموافقة و سياسته لو خالفت فقالت: {وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ اَلصَّاغِرِينَ} و قد أكدت الكلام بوجوه من التأكيد كالقسم و النون و اللام و نحوها ليدل على أنها عزمت على ذلك عزيمة جازمة، و عندها ما يجبره على ما أرادته و لو استنكف فليوطن نفسه على السجن بعد الراحة، و الصغار و الهوان بعد الإكرام و الاحترام، و في الكلام تجلد و نوع تعزز و تمنع بالنسبة إليهن و نوع تنبيه و تهديد بالنسبة إلى يوسف (عليه السلام).
و هذا التهديد الذي يتضمنه قولها: {وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ اَلصَّاغِرِينَ} أشد و أهول مما سألته زوجها يوم المراودة بقولها: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
أما أولا: فلأنها رددت الجزاء هناك بين السجن و العذاب الأليم و جمع هاهنا بين الجزاءين

