تفسير الميزان ج۱۱
15لوازم دار العمل مرفوع هناك فلا اختيار للإنسان في تكلمه و إنما هو منوط بإذن الله و مشيئته، و إن أحسنت التدبر وجدت أن مآل هذا الوجه أعني ارتفاع حكم الاختيار عن تكلم الإنسان و سائر أفعاله و إحاطة معنى الاضطرار بالجميع يومئذ يرجع إلى ما افتتحنا به الكلام أن خاصة هذا اليوم هي انكشاف حقائق الأشياء فيه و رجوع الغيبِ شهادةً و عليك بإحكام التدبر في المعارف التي يلقنها الكلام الإلهي في المعاد فإنها معضلة عويصة عميقة.
و ذكر بعضهم أن معنى قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أنها لا تتكلم فيه إلا بالكلام الحسن المأذون فيه شرعا لأن الناس ملجئون هناك إلى ترك القبائح فلا يقع منهم قبيح و أما غير القبيح فهو مأذون فيه.
و فيه أنه تخصيص من غير مخصص فاليوم ليس بيوم عمل حتى يؤذن فيه في إتيان الفعل الحسن و لا يؤذن في القبيح، و الإلجاء الذي منشؤه كون الظرف ظرف جزاء لا عمل لا يفرق فيه بين العمل الحسن و القبيح مع كون كليهما اختياريين لأن الحسن و القبح إنما يُعَنوَن بهما الأفعال الاختيارية.
على أن الله تعالى يقول: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ وَ لاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} و من المعلوم أن الإتيان بالأعذار ليس من الفعل القبيح في شيء.
و قال آخرون: إن معنى الآية أنه لا يتكلم أحد في الآخرة بكلام نافع من شفاعة و وسيلة إلا بإذنه.
و هذا إرجاع للآية بحسب المدلول إلى مثل قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لاَ تَنْفَعُ اَلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمَنُ} طه: ١٠٩ و فيه أن ذلك تقييد من غير شاهد عليه و لو كان المراد ذلك لكان من حق الكلام أن يقال: لا تكلم نفس عن نفس أو في نفس إلا بإذنه كما وقع في نظيره من قوله: {لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً}.
و قد تحصل مما قدمناه وجه الجمع بين الآيات المثبتة للتكلم يوم القيامة و الآيات النافية له.
توضيحه: أن الآيات المتعرضة لمسألة التكلم فيه صنفان: صنف ينفي التكلم أو يثبته لأفراد الناس من غير استثناء كقوله: {لاَ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاَ جَانٌّ} الرحمن: ٣٩،

