تفسير الميزان ج۱۱
147حق لو كان هذا بشرا و ليس به و إنما يذم الإنسان و يعاب لو ابتلي بهوى بشر و مراودته و كان في وسعه أن يكتفي عنه بما يكافئه و يغني عنه، و أما الجمال الذي لا يعادله جمال، و يسلب كل حزم و اختيار، فلا لوم على هواه، و لا ذم في غرامة.
و لهذا انقلب المجلس دفعة، و انقطعت قيود الاحتشام فانبسطن و تظاهرن بالقول في حسن يوسف و كل تتكلم بما في ضميرها منه، و قالت امرأة العزيز: {فَذَلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} فأبدت سرا ما كانت تعترف به قبل ثم هددت يوسف تجلدا و حفظا لمقامها عندهن و طمعا في مطاوعته و انقياده: {وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ اَلصَّاغِرِينَ}.
و أما يوسف فلم يأخذه شيء من تلك الوجوه الحسان بألحاظها الفتانة و لا التفت إلى شيء من لطيف كلامهن و نعيم مراودتهن أو هائل تهديدها، فقد كان وجهة نفسه جمال فوق كل جمال، و جلال يذل عنده كل عزة و جلال فلم يكلمهن بشيء و لم يلتفت إلى ما كانت امرأة العزيز تسمعه من القول، و إنما رجع إلى ربه فقال: {رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ}.
و كلامه هذا إذا قيس إلى ما قاله لامرأة العزيز وحدها في مجلس المراودة: {مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ اَلظَّالِمُونَ} دل بسياقه على أن هذا المقام كان أشق و أمرّ على يوسف (عليه السلام) إذ كان بالأمس يقاوم هم امرأة العزيز و يعالج كيدها وحدها، و قد توجهت إليه اليوم همهن و مكايدهن جميعا، و كان ما بالأمس واقعة في خلوة على تستر منها، و هي و هن اليوم متجاهرات في حبه متظاهرات في إغوائه ملجآت على مراودته، و جميع الأسباب و المقتضيات اليوم قاضية لهن عليه أشد مما كانت عليه بالأمس.
و لذا تضرع إلى ربه سبحانه في دفع كيدهن هاهنا، و اكتفى بالاستعاذة إليه سبحانه هناك فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم.
و لنرجع إلى البحث عن الآيات.
فقوله تعالى: {وَ قَالَ نِسْوَةٌ فِي اَلْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا} إلخ، النسوة اسم جمع للمرأة و تقييد بقوله: {فِي اَلْمَدِينَةِ} تفيد أنهنّ كن من جهة العدد أو الشأن بحال تؤثر

